توالت المواقف الدولية بعد اعتذار الرئيس سعد الحريري عن تشكيل الحكومة، مبدية قلقها ومخاوفها من أي انفجار أمني أو إجتماعي قد يشهده لبنان، وهذا ما دفعها الى تكثيف اتصالاتها مع المعنيين في لبنان، وقد ظهر جلياً، أن التحذيرات إنما صبّت بمعظمها من قبل موسكو، التي، وعبر خارجيتها، تحرّكت في أكثر من اتجاه، وهي التي كانت داعمة الحريري لتشكيل حكومة مهمّة، وعلى هذه الخلفية جاء اتصال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف به ، وصولاً الى البيان الصادر عن الخارجية الروسية، إذ كان هناك موقف أساسي يصبّ في خانة ضرورة الإسراع في التكليف، وصولاً إلى التأليف.

وهنا، تكشف المصادر المتابعة لهذا المسار، بأن موسكو متخوّفة من أن يتحوّل الوضع الحياتي في لبنان الى اهتزازات أمنية وحركة اضطرابات، خصوصاً وأنها قلقة أيضاً من انعكاس ذلك على الوضع السوري، حيث سيطرتها الميدانية، ولا سيما بعد الإرتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية والمحروقات في هذا البلد، إذ ثمة ترابط وتماهٍ بين البلدين، مما سيشكّل لها هواجس من أن تدخل بعض القوى الأصولية والمتطرّفة والإرهابية على خط هذه الأوضاع الهشّة، مستغلّة الظروف المعيشية المزرية التي تحيط بلبنان وسوريا، ومن هنا، علم أن بوغدانوف تمنى على بعض القوى السياسية البارزة، وحيث ثمة صداقة تربطه بهم، ضرورة العمل بشكل فوري للتكليف والتأليف قطعاً لدابر الفتنة، أو أي فوضى قد تندلع، لأن المعطيات والمؤشّرات التي تملكها موسكو وبعض الدول المؤثّرة في الشأن اللبناني، إنما تصبّ في هذه الخانة.

من هذا المنطلق، فإن الدور الروسي في هذه المرحلة يقتصر على الضغط على القوى الإقليمية المعنية بملف لبنان وحلفائهم في الساحة اللبنانية، بغية انتشال البلد من معضلاته، وأيضاً التوافق على ثوابت أساسية تتمثّل بالإستقرار وتشكيل الحكومة ومعالجة الوضع الإقتصادي، وينقل أنه، وبعد أن يعود وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الى ممارسة عمله بعد إبلاله من الوعكة الصحية التي ألمّت به، من المرتقب أن يقوم بحركة ديبلوماسية فاعلة عبر اتصالات مع نظرائه في سوريا وإيران وباريس وواشنطن من أجل دفعهم إلى ممارسة نفوذهم على القوى السياسية الحليفة لهم في لبنان، من أجل تسريع وتيرة الحلول، ولا سيما على المسارات الإقتصادية والمالية، قبل أن يؤدي ذلك إلى ما هو أخطر بكثير مما هي الحال اليوم، ربطاً بالقلق من أي فلتان أمني، مشيرة إلى أن معظم الزيارات التي كان من المزمع أن يقوم بها بعض الزعامات والقيادات اللبنانية إلى موسكو، قد تأجّلت لدوافع شخصية وظروف خاصة بكل من لافروف وبوغدانوف، إضافة إلى المتغيّرات الأخيرة بعد اعتذار الحريري، بمعنى أن ثمة مرحلة جديدة بدّلت من أجندة الروس في لبنان، إنما يمكن القول، وفق أحد المقرّبين من الخارجية الروسية، بأن موسكو لا تحمل أي مبادرات حول الملف اللبناني، بل هي داعمة للحلّ لجملة اعتبارات وظروف تحتّم عليها القيام بدور توفيقي مع حلفائها وأصدقائها اللبنانيين، وهذا ما يعطيها هامشاً واسعاً من التحرّك.

لذا، فإن الدور الروسي بدأ يعود تدريجياً، وقد نشهد في الأيام المقبلة تفعيلاً له، لا سيما، وأن المخاوف الكثيرة تدفع روسيا الى هذا الدور، والذي يلقى قبولاً عند معظم الأطراف السياسية والحزبية، بما لها من علاقات مؤثّرة مع بعض الدول الإقليمية ذات التأثير الفعلي على الساحة اللبنانية.