عشرة أعوام بالتمام والكمال مرّت منذ ارتكاب "سفّاح أوسلو" جريمتَيه في العاصمة النرويجية وفي جزيرة أوتويا، خاطفاً أرواح عشرات الأشخاص إلى جانب جرح مئات، علماً أنّ الناجين من الموقعتَين ما زالوا تحت وقع الصدمة فيما التطرّف اليميني ما زال يحفظ لنفسه مكاناً في البلاد وفي دول الشمال عموماً.

كان من المفترض أن يكون الثاني والعشرون من تموز 2011 يوماً مميّزاً من أيّام المخيّم الصيفي الذي كانت تنظمه رابطة الشبيبة العمالية التابعة لحزب العمال النرويجي (اجتماعي ديموقراطي من يسار الوسط)، في جزيرة أوتويا النرويجية والتي استقبلت فيه نحو 600 شاب وشابة من دول مختلفة حلّوا ضيوفاً على بيوت أعضاء من الرابطة. لكنّ المجزرة الأكثر دموية في تاريخ النرويج سُجّلت في ذلك اليوم الذي أتى أشبه بفيلم رعب واقعي، علماً أنّ آثارها ما زالت حاضرة بعد 10 أعوام، لتذكّر بمدى التعصّب القومي.

في ذلك اليوم الصيفي، لم يكن أحد يعلم، بما في ذلك الشبّان والشابات المشاركون في المخيم، أنّ انفجار السيارة المفخخة الذي وقع بالقرب من مقرّ الحكومة في العاصمة أوسلو، كان مجرّد مقدّمة للمأساة التي طاولتهم بعد وقت قصير. وكان المتطرّف اليميني أندرس بيرينغ بريفيك قد استهدف من خلال ذلك التفجير وزارة العدل ومكتب رئيس الوزراء الأسبق وأمين عام حلف الناتو لاحقاً ينس ستولتنبرغ، الأمر الذي أدّى إلى مقتل ثمانية أشخاص وجرح نحو 200 آخرين وسط ذعر لم تشهده المدينة من قبل.

وفي التفاصيل، وقع الانفجار عند الساعة الثالثة و26 دقيقة من بعد ظهر ذلك اليوم، والهدف منه اغتيال وزراء في الحكومة. ثمّ غادر بريفيك موقع جريمته الأولى سيراً على الأقدام، في اتّجاه هدفه الآخر على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب أوسلو.

وفي جزيرة أوتويا، التي وصل إليها بعد نحو ساعتَين، طلب بريفيك، الذي كان قد ارتدى زيّ ضابط شرطة، من الشبّان والشابات التجمّع، فاستجاب له من سمعه. كان ذلك عند الساعة الخامسة و26 دقيقة عصراً. وما هي إلا لحظات حتى راح يطلق النار على مدى ساعة متواصلة تقريباً. لم يكتفِ بمن تجمّع حوله، بل طارد الآخرين، علماً أنّهم بمعظمهم يافعون من تلاميذ المرحلة الثانوية. بعض من هؤلاء ظنّ أنّه ضابط شرطة يمكن الالتجاء إليه بعد سماع إطلاق النار، فراح يقضي عليهم فوراً. وثمّة آخرون اختبأوا في المقصف، فدخل إليه ليحصد أرواحهم. أمّا الذين فرّوا في اتّجاه مياه البحر، فتعرّضوا إلى القنص.

طوال تلك المدّة، كان الموجودون في المكان ينتظرون وصول عناصر الشرطة الحقيقيين، وسط المطاردة المرعبة ومحاولة النجاة من خلال الاختباء خلف الأشجار وفي شقوق الصخور على طول ساحل الجزيرة. عند الساعة السادسة و27 دقيقة من مساء ذلك اليوم، وصلت الشرطة في حين أنّ العتمة لم تكن قد حلّت في ذلك البلد الذي لا تغيب عنه شمس الصيف مبكراً. وقبل إلقائها القبض على من سوف يُعرف لاحقاً بـ"سفّاح أوسلو"، كان قد حصد ببندقيته أرواح 69 شاباً وشابة وجرح العشرات، عدا عمّا خلّفه من جراح نفسية أصابت كلّ من كان يشارك في المخيّم من نرويجيين وضيوف أجانب إلى جانب أهاليهم.

في أثناء التحقيقات التي أجرتها "لجنة 22 تموز" الرسمية، تبيّن أنّ ما ارتكبه بريفيك لم يكن سابقة. فقبله، عمد عدد من متطرفي الفاشية الأوروبية والغربية عموماً إلى ارتكاب جرائم مشابهة وإن كانت أقلّ فداحة، من بينهم مرتكبو مذابح في نيوزيلندا وكندا ومحاولات في ألمانيا والنرويج نفسها، والهدف منها قتل أكبر عدد من المهاجرين والمواطنين المتحدرين من أصول مهاجرة. وقد كشفت التحقيقات نفسها أنّ "سفّاح أوسلو" وضع "مانيفست" خاصاً بالكراهية دعا فيه إلى إبادة ثقافات أخرى، وبيّنت أنّه على صلة بمتطرّفين أوروبيين آخرين، علماً أنّه لم يكشف عن هؤلاء. وبحسب الادّعاء النرويجي، فهو مدرّب بشكل أثار صدمة المحققين.

يُذكر أنّه بعد أقل من عام، في 12 نيسان من عام 2012، بدأت محاكمته من دون أن يبدو عليه أيّ تأثّر. ففي المانيفست الواقع في 1500 صفحة، دوّن كلّ ما يؤمن به وإن أدّى ذلك إلى إزهاق أرواح آلاف من مواطنيه بهدف التوصّل، كغيره في معسكر التطرّف الغربي، إلى تحقيق الأهداف، من خلال حرب أهلية للاستيلاء على السلطة. وعلى مدى نحو شهرَين ونصف شهر من المحاكمة، كُشف للرأي العام النرويجي والاسكندينافي المعنى الحقيقي للتعصّب القومي وكراهية الأجانب. في تسجيلات الفيديو التي عرضها الادّعاء أمام المحلفين، كانت لبريفيك مشاركات في تظاهرات متطرفّي الشمال الأوروبي، يظهر فيها وهو يبصق ويصرخ على مجموعات شبابية معادية للفاشية، بمن فيهم هؤلاء الذين يسمّيهم "التعدديين الثقافيين" (يدافعون عن تعددية مجتمعاتهم)، ويصفهم بالماركسيين كأنّ في ذلك مذمّة وتهمة لهم. وهؤلاء بمعظمهم كانوا شبّاناً من حركة مكافحة الفاشية "أنتيفا" في نسختها الاسكندينافية. وقد عرّف الرجل عن نفسه بأنّه مدافع عن "البيض" بمواجهة "هيمنة المسلمين والمهاجرين".

وفي أثناء المحاكمة تبيّن أنّه ارتكب المجزرة بهدف منع حزب العمال (يسار الوسط)، من استقطاب المزيد من الشباب، فقتل الشبّان والشابات كتحذير للحزب، بحسب ما نقلت عنه الصحافة النرويجية. ولم يأبه للشهادات المروّعة التي قدّمها ناجون وأهالي الضحايا ومقرّبون منهم، بل كان يبتسم استهزاءً بمعاناة هؤلاء. والأدهى أنّه كان يؤدّي التحيّة النازية محيياً آدولف هتلر، مشدداً على أنّ القتل الجماعي أمر ضروري لتحقيق الأهداف في "الحفاظ على المجتمع الأبيض".

وفي 24 آب من العام نفسه، حُكم على بريفيك بالسجن المؤبّد و21 عاماً بالحدّ الأدنى. فتقدّم بشكاوى أمام المحكمة ورفع دعاوى كثيرة متحدثاً عن "اضطهاد" تعرّض له في السجن. فاستمعت المحاكم النرويجية بكل مستوياتها، بحسب القوانين، إلى تلك الشكاوى، لكنّها في نهاية المطاف ثبّتت الحكم الذي صدر على خلفية قانون عقوبات يجعل إمكانية إطلاق سراحه المشروط بعد 10 أعوام أمراً مستحيلاً، ليبقى خلف القضبان حتى وفاته.

بعد عشرة أعوام على مجزة أوتويا التي أوحت بأفلام وكتب، ما زال أثرها واضحاً في نفوس الناجين منها، وهم ضحايا. والأخطر هو أنّ بريفيك، في الوسط الفاشي والقومي المتطرّف، تحوّل إلى ما يشبه "الملهم والشهيد"، خصوصاً لدى "جبهة مقاومة الشمال" (حركة النازية الجديدة في اسكندينافيا)، التي تعدّ مانيفست الكراهية الذي دوّنه بريفيك مرجعاً. وفي سياق متصل يأتي "الإحلال العظيم" الخاص بمرتكب مجزرة كرايست تشيرش في نيوزيلندا في عام 2019، الأسترالي برنتون تارانت. الهجوم الإرهابي الذي خلّف 51 ضحية، يبرّره مرتكبه بتبريرات بريفيك نفسها، وهي "الحفاظ على البيض".

وما يعانيه أقارب الضحايا في النرويج شجّعهم على تشكيل حملة مجتمعية تحت عنوان "لن تتكرر أوتويا أبداً" لمكافحة العنصرية والتطرّف، وهو ما يدفع كثيرين إلى التفاؤل بأن يكون التصدّي لعنف التعصّب مهمة الأفراد في المجتمعات، كما خلصت لجان تحقيق مختلفة في أوسلو.

وفي محاولة إحصائية، يأتي 77 ضحية، معظمهم من الشبّان، وضرب لـ"عذرية الأمن النرويجي" مثلما وصفتها الصحافة، هي خلاصة مجزرة بريفيك، إلى جانب 51 ضحية في نيوزيلندا (أيار 2019)، وستّة ضحايا في مسجد كيبيك الكندية (كانون الثاني 2017)، بالإضافة إلى عشرات من الضحايا الآخرين في ألمانيا وبريطانيا ما يمثّل انتشاراً لجرائم الكراهية بشكل غير مسبوق، وكذلك الكشف المتواصل عن تغلغل الفكر الفاشي في مؤسسات أمنية وعسكرية في أكثر من مكان، كلّ ذلك يؤشّر إلى أيّ مدى يمكن أن يذهب التعصّب القومي في استخدام العنف لاستهداف البشر المختلفين لوناً وعرقاً وديناً من قبل مرضى ذلك التطرّف والهوس بالتفوّق العرقي. وهو ما يؤكده خبراء في الشؤون الاجتماعية في مجتمعات أوروبية، ويعدّونه أحد أبرز مخاطر تقسيم وفرز المجتمعات على أساس إثني في القارة.

وعلى الرغم من أنّ مرتكبي بعض المجازر باتوا في قبضة العدالة، فإنّ ذلك الفكر لم ينحسر مع انتشار موجة خطاب تطرّف شعبوي في القارة الأوروبية وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب. ومراقبة التحذيرات المتزايدة في الغرب من مخططات العنف العرقي تشير بوضوح إلى أنّ ندوب أوتويا وكرايست تشيرش وغيرهما لن تكون آخر ندوب مجتمعات باتت تستشعر أجهزتها الأمنية أكثر فأكثر نتائج تراخيها مع انتشار خطاب الكراهية والإسلاموفوبيا وتركيزها طيلة ثلاثة عقود على "تطرّف الشباب المسلم".