أنشأت الولايات المتحدة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، المعروف بـ «أوفاك»، مع بدايات الحرب العالمية الثانية، بهدف حظر الأصول المالية والمعاملات التجارية لدول المحور، وهو دور لعبه «أوفاك» منذ إنشائه بشكل رسمي عام ١٩٥٠، وحتى الآن. فالمكتب التابع لوزارة الخزانة الأميركية يتولى، وفقا للسياسات الخارجية والأمن القومي الأميركي، مهمة إدارة وتنفيذ العقوبات الاقتصادية والتجارية ضد الدول والأفراد والمنظمات التي تهدد المصالح الأميركية، سواء على الأراضي الأميركية أو خارجها، بالتعاون مع الحكومات الصديقة والمتحالفة مع واشنطن.

ما بدأ بهدف محاربة النازية الألمانية خلال الحرب العالمية تطور فيما بعد ليُصبح «أداة مُفضلة» للولايات المتحدة كما سماها «جاك ليو» وزير الخزانة الأميركية الأسبق، بداية من السعي لوضع حد لكارتلات المخدرات والهجمات الإلكترونية عالميا، ووصولا إلى محاربة «التنظيمات الإرهابية»، والتي تصنفها واشنطن كما تشاء، ووقف تمويل الجماعات الجهادية حول العالم.

تُعد العقوبات الاقتصادية شأنا أميركيا خالصا، وإن اعتُبرت الولايات المتحدة أكثر الدول استخداما لها عالميا لمحاولة تغيير القرارات الإستراتيجية للجهات الحكومية أو غير الحكومية. في الوقت ذاته، تمتلك الولايات المتحدة، من بين دول وجهات عالمية عدة، تاريخا طويلا مع العقوبات الاقتصادية، والذي يمتد إلى عام ١٨١٢ حينما فرضت الخزانة الأميركية عقوبات اقتصادية على بريطانيا العظمى لمضايقة بحارة أميركيين،

ردًّا على ضمّ القرم الى الاتحاد الروسي، فرضت بعض الحكومات والمنظمات الدولية، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقوبات على الأفراد والشركات الروسية، فردّت الحكومة الروسية بالمثل، إذ فرضت عقوبات على بعض الشخصيات الكندية والأميركية، وفي آب ٢٠١٤، فرضت حظرًا كاملًا على الواردات الغذائية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والنرويج وكندا وأستراليا.

في لبنان لا تعد العقوبات الإقتصادية سابقة من نوعها، إلا أن ما يشاع عن لائحة من السياسيين الذين سوف تشملهم العقوبات في اواخر الشهر الجاري، يعيد الى الواجهة تساؤلات عن فعاليات، قانونية، وأهداف هكذا لوائح.

النائب السابق ​نبيل نقولا أكد لـ «الديار» عدم معرفته بمن سوف تشمله هكذا لائحة، مبدياً تخوف من أن تنطوي هذه العقوبات على أي وجه من أوجه التجني السياسي، وإعتبر أن أي ضغط في موضوع العقوبات بهدف تشكيل حكومة، انما هو إهانة للشعب اللبناني، وأن أي حكومة قد تؤلف تحت الضغط لن تلبي طموح الشعب اللبناني، وبالتالي يجب ألا تشمل هكذا عقوبات في حل كانت تهدف فعلاً لمحاسبة الفاسدين، يجب ألا تشمل أي نوع من الضغط السياسي.

واشار الى أن أي حكومة قد تشكل في ظل هكذا عقوبات، انما تخدم الخارج الذي يفرض هذه العقوبات وتنفذ اجنداته، ورأى أن بمقدور هذه الدول إظهار حسن نيتها تجاه لبنان بفرد إعادة الأموال المهربة إليها من قبل شخصيات لبنانية نافذة في الحياة السياسية والقيام بمساءلتهم عن الأمر إذا ما كان الهدف الفعلي المعلن والخفي هو محاربة الفساد.

من ناحيته، رأى المحامي جو كرم أن معاهدة «ماستريخت» وضعت بعض الأطر التي تمكن الإتحاد الأوروبي من فرض عقوبات على الأشخاص المدانين بقضايا إرهاب أو نشر الأسلحة، أوعلى الأشخاص المؤثرين والمدانين بالتعدي على حقوق الانسان أو عرقلة الحياة الديمقراطية، وبالتالي، يمكن للإتحاد الأوروبي من خلال هذه المعاهدة وغيرها من القوانين والأدوات الأخرى، أن يتخذ قراراً بفرض عقوبات فردية وعامة، حيث يمكن للفردية أن تشمل عدم السماح بالسفر إلى أراضي دول الإتحاد الأوروبي، سحب التأشيرات، وتجميد الأصول كالحسابات المصرفية والأسهم في البورصات الأوروبية وغيرها من الموجودات.

وعن إمكانية طعن الأفراد في قرارات فرض العقوبات، أكد كرم أن للإتحاد الأوروبي محكمة خاصة يمكنها النظر في أي إعتراض مقدم بشرط أن يشتمل على تناف بين القرار وحقوق الانسان وينطوي على إجحاف، جازما بأن الإتحاد لن يتحذ أي قرار في هذا الإطار ما لم يكن موثق وحاصل على إجماع 27 دولة بعد جولات طويلة ومضنية من المفاوضات للوصول إلى نوع العقوبة النهائي.

وإعتبر أن العقوبات لا تتنافى مع مبدأ السيادة، كون الاجراءت المتخذة تشمل حدود أراضي الإتحاد فقط ولا تطال أي حريات في لبنان، ولفت الى أن دول الإتحاد دوماً ما تقف مطولاً عند النقطة الفاصلة بين التدخل في شؤون الدول من عدمه وأكبر مثال على ذلك هو ما حصل في ليبيا في سيناريو مشابه لما يحصل في لبنان عام 2016، حيث إتخذ الاتحاد مجموعة من العقوبات في وجه المجموعات التي كانت تحاول عرقلة عمل رئيس الحكومة الليبية آنذاك فايز السراج المعترف به من قبل الأمم المتحدة، وبالتالي القرار كان إنطلاقاً من قرار أممي، أما في لبنان فإنه يبدو أن القرار سوف يكون إنطلاقا من تقييد الحياة الديمقراطية ومنع اللبنانيين من ممارسة حقوقهم الطبيعية كحقهم في الحياة الكريمة.

ورأى أن هناك خيطا رفيعا بين التدخل في شؤون الدول وتنفيذ قوانين الإتحاد الأوروبي يبرر التأخر في إتخاذ قرار فرض العقوبات الذي عادة ما يأتي بعد جولات مطولة من محاولات إيجاد الحلول والقيام بالوساطات، وبالتالي في حال تعنت أطراف الصراع يعتبر كرم أنه التدخل جائز في إطار التطفل لفرض الحلول دون المس بالسيادة، كما حصل في فترة التسعينيات إبان التدخل الإنساني عبر عمليات عسكرية لفرض المساعدات الإنسانية للمتضررين من أطراف الصراعات الدموية والحروب وليس بهدف الإحتلال أو التأثير على الحكم.

لم يستبعد كرم أن يكون الحديث السابق عن مجموعة من العقوبات التي إتخذها الإتحاد الأوروبي بحق مجموعة من الشخصيات اللبنانية قد تم فعلاً عبر تجميد التأشيرات وإبلاغ أصحابها سرا بالأمر، وبالتالي فإن ما سوف يتم اتخاذه هذه المرة هو في موضوع تجميد الأصول بعد التوصل إلى إتفاق بعد رفض سابق لهنغاريا وبالتالي الحديث عن الفيتو لوقف العقوبات أصبح طي النسيان.

يبقى السؤال عن مدى فعالية المضي قُدُماً في فرض عقوبات على الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، على خلفية الأزمة التي تشهدها البلاد وعن عدم غض الطرف على إعتبار هكذا نوع من العقوبات تدخلاً خارجياً في شؤون البلاد التي أنهكها التزلم للخارج أصلاً. وهل ينجح الإتحاد الأوروبي في فرضها أساساً في ظل الحديث عن معارضة وتحفظ بعض الدول الأوروبية على فرض هكذا نوع من العقوبات واستعمالها لحق النقض «الفيتو» عند التصويت الذي يستلزم إجماع لاقراره؟ فما قد يردع هذه الطبقة عن التوقف عما تقوم به، واليس من الاجدى إذا ما أراد أحداً ما أن يقوم بالمحاسبة، أن يكون ولي الدم نفسه، أي الشعب اللبناني؟