تُشير المادّة الخامسة من المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء، الصادرة عن مكتب المفوّض السّامي في مفوضية الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، أنّ «باستثناء القيود التي من الواضح أن عملية السجن تقتضيها، يحتفظ كل السجناء بحقوق الإنسان والحريات الأساسية المبينة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وحيث تكون الدولة المعنية طرفا، في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبروتوكوله الاختياري، وغير ذلك من الحقوق المبينة في عهود أخرى للأمم المتحدة».

ويؤكّد دليل تدريب موظّفي السجون على حقوق الإنسان على أغراض عقوبة السجن، ويُشير الى أنّ السجون نشأت في معظم المجتمعات منذ قرون طويلة، وهي عادةً أماكن يتمّ فيها احتجاز الأشخاص الى أن يستكملوا عملية قانونية أو أخرى . وقد ينتظر هؤلاء الأفراد في السجون حتى يحين وقت المحاكمة أو تنفيذ حكم الإعـدام أو النفي أو حتى يتم دفع فدية أو غرامة أو دَين. وفي بعض الأحيان يمكن حرمان بعض الأفراد الذين يمثِّلون ً تهديداً محدَّداً للحاكم المحلي أو للدولة من حريتهم لمدة طويلة. وقد بدأ استعمال السجن كعقوبة مباشرة تفرضـها المحكمة في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية في القرن الثامن عشر . وانتشر تدريجياً الى معظم البلدان وكـثيراً ما كان ذلك نتيجة القمع الاستعماري . وفي بعض البلدان لا يتواءم مفهوم سجن البشر بسهولة مع الثقافة المحلية.

إلا في لبنان، لم تؤدِّ السجون للأسف كما في دول العالم الثالث وظيفتها في تأهيل المرتكبين والمجرمين، وإعدادهم كي يخرجوا الى المجتمع أشخاصا صالحين، فيخرج منها السجين أكثر عنفا وشراسة بفعل سوء المعاملة، والإهمال المقصود، والاكتظاظ العددي وغياب الرقابة والارشاد والرعاية الصحيّة والاجتماعيّة والدروس التثقيفية والتعليميّة والمهنيّة، ما يستوقفنا هنا الى أساليب التعذيب التي تمارس في اماكن احتجاز الموقوفين للتحقيق معهم حيث قضي على بعضهم جراء ذلك، و أصيب البعض الآخر بعاهات دائمة. كما أنّه دون أي رقيب أو حسيب بعهدة كلّ سجين هاتف خلوي تسلّل له «خلسة»، و أكثر ما يثير القلق والخوف هو ارتفاع الأصوات المطالبة بالعفو العام بغض النظر عن طبيعة الجرائم والأفعال التي اقترفها بعض السجناء المصنّفين بالخطرين وكأنّ بذلك نُشجّع على إطلاق أسراب جديدة وسط المجتمع من مجرمين، تجار للمخدرات، إرهابيين، و عملاء ليمارسوا ما اقترفوه في السابق فيملؤوا الأرض فسادًا وإجرامًا...

الدّولة تُدافع عن نفسها.. والجمعيّات الأهلية في المرصاد

ليس السجّين وحده المسؤول، فالدّولة الغائبة عن التّصحيح والمُعالجة مُطالبة أيضاً بالتّفسير والإجابة على مُعظم نقاط الاستفهام السّلبية التي تحصل في السجون اللّبنانية، فيما برّر مصدر أمني مُطّلع ومعني مباشرة بشؤون السّجون ل «الدّيار» أنّ الأجهزة الأمنية تقوم بدورها الكامل لناحية التعامل مع الموقوفين ولناحية تشديد الرقابة على الأغراض التي يحصلون عليها بعد لقائهم أقاربهم في الوقت المُحدّد للزيارات.

ويُضيف: «الجميع يعلم أنّ وضع السجون في لبنان تعس، فيعاني هذا القطاع من مشاكل عديدة وأبرزها عدد السجون القليل مقابل أعداد الموقوفين والمحكومين المُرتفعة جدّاً إلا أنّ قوى الأمن تقوم بواجباتها كاملة مراعية حقوق المساجين وحماية المجتمع من خطورة جُنَحهم وجرائمهم أيضاً».

تكثر الجمعيّات التي تُعنى بشؤون المساجين في لبنان والتّي تعمل على تطوير شخصياتهم وتنمية فكرهم من أجل تصحيح سلوكهم في المجتمع، فقد اشارت نائبة رئيس جمعية «Rescue Me لمنع الجريمة» مايا يمّوت ل»الديار» الى أنّ عمل الجمعية يدور بالأكثر حول أوضاع المساجين غير الإعتياديين كالإسلاميين المُتطرّفين والموقوفين ذوي القضايا المُهمّشة والعنف الكثير والأشخاص المنبوذين من المجتمع كالمتحوّلين جنسياً مثلاً فتعمل الجمعية على متابعة قضاياهم قانونياً وتعمل على إعادة تأهيلهم نفسياً وجسدياً لتحضيرهم للإندماج في المجتمع مواطنين صالحين فور الإفراج عنهم.

تقول يمّوت إن العرقلات والعقبات كثيرة، « نعاني من عقبات جمّة أغلبها تسبّبها الدّولة عمداً أو عن غير قصد إنّما المتضرّر الوحيد هو السجين الذي أقدم يوماً على فعل الجريمة، وبتوقيفه تتعزّز فكرة الجريمة فيه نظراً الى سوء الأحوال التي يعيشها في السجن:

السجون غير مؤهلة بنيوياً: نش، رطوبة، غُرف صغيرة جدّاً غير مؤهّلة للسكن

إكتظاظ الأعداد الذي فاق التصّور وهنا أودّ الإشارة الى تقاعس الدّولة الكلّي لناحية المحاكمة وإصدار الأحكام، فمعظم الموقوفين قضوا محكوميتهم المفترضة وهم رهن التوقيف لم يخضعوا للمحاكمة بعد!

معاناة المساجين مع الحرارة المرتفعة في فصل الصيف والمنخفضة في الشتاء، والنقص الحاد في الأدوية إذ إنّ بعضهم يعاني من أمراض مزمنة، كما تزيد معضلة اللقاحات أيضا للمساجين وللعسكريين الذين لم يتلقوا جميعاً اللقاحات المضادة لكورونا

القضاة الذين لا يتابعون ويؤجّلون جلسات المحاكمات، والأسباب تبَرّر غالباً إمّا بتأخير وصول السجين نظراً لعدم توافر أدوات النقل، إمّا تأخير وصول القاضي وإمّا جائحة كورونا التي فرضت جلسات عن بعد إلا أنّها تعرقلت أيضاً بسبب غياب الكهرباء والإنترنت.

اضافت : من هنا ندخل الى المشكلة الأكثر تفاقماً وهي الاكتظاظ المخيف بأعداد المساجين الذين يُعتبر أكثر من 55% منهم غير محكومين بعد! ولمّا كنّا كجمعية قدّمنا مشروع قانون الى مجلس النّواب يقضي بعدم تأجيل جلسة المحاكمة لأكثر من أربع مرّات، قوبل المشروع حتماً بالرّفض كونه لا يتمشى مع مصالح السياسيين وبعض رجال الدين الذين وللأسف يتحكّمون بالقضاء ويؤثّرون فيه.

وعن الحلول تجاه الاكتظاظ الذي يشكّل الخطر الأكبر في السجون تقول يمّوت: « الحلّ بسيط وبديهي خاصّة في ما يتعلّق بالمساجين غير اللّبنانيين، إذ إنّ لبنان يخضع لاتفاقية تبادل الموقوفين مع معظم الدّول، فمن الممكن ترحيل الأجانب كلّ الى بلده الأمّ وفي حالة عدم وجود الاتفاقية بين الدولتين، يمكن العمل من أجل إتمامها، بذلك يُرحّل مُعظم الموقوفين الإسلاميين وغيرهم من الأجانب، بذلك تُخفّض الأعداد».

الواقع الأليم حتّم على من اقترف خطأ يوماً أن يعاقب على فعله، أمّا في لبنان فالعقاب مضاعف، يخضع الموقوف فيه لتعذيب الروح ولعيش أقسى درجات الأوجاع النفسية طوال فترة توقيفه، والنتيجة غير مجدية، سجون تُصدّر مجرمين، لصوصا ومرتكبين...

متى ستصبح السجون في لبنان إصلاحيات حقيقية تعمل على الصحّة النفسية والعقلية للسجين من أجل تصحيح سلوكه المجتمعي؟ 

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب