بعد وصول الوضع الإقتصادي والمالي والمعيشي في لبنان الى حدّ الانفجار الكبير، دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مجلس الوزراء الى الانعقاد بصورة إستثنائية للضرورة القصوى بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء المستقيل حسّان دياب، على أن تُخصّص الجلسة لمعالجة أسباب أزمة عدم توافر المشتقّات النفطية على أنواعها في السوق المحلية، وانقطاعها جرّاء القرار الآحادي الذي اتخذه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة القاضي بوقف الدعم عن هذه المواد، وما يُسبّبه ذلك من تداعيات خطرة على سبل عيش المواطن، لا سيما مع الإرتفاع الجنوني لسعر المحروقات بعد رفع الدعم، وانعكاسه على جميع السلع الغذائية والحاجيات اليومية.

وإذ رأى البعض في هذه الدعوة «إنتفاضة» سياسية على قرار الحاكم إذ سيكون له ذيول وعواقب سلبية على حياة المواطن اللبناني الذي يعاني أساساً ومنذ أشهر عديدة من ظروف قاسية ومن جميع أنواع الحرمان والعوز، ومن البطالة والتفقير والتجويع بفعل السياسات الخاطئة، تجد مصادر سياسية عليمة أنّه إزاء هذه الخطوة التي اتخذها الرئيس عون، يُحاول البعض في الداخل الترويج لأمرين:

الأوّل، أنّ الرئيس عون يريد تعويم حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة منذ آب من العام الماضي إثر انفجار مرفأ بيرون في 4 أب 2020، والتي جرت محاولات سابقة عديدة لتعويمها غير أنّها لم تنجح. ولهذا لم تعد الحكومة تُنتج منذ أشهر عديدة، ولا تعمل بالتالي على إيجاد الحلول لأي من المشاكل التي يعاني منها المواطن، كونها غير مدعومة سياسياً.

الثاني، أنّ خطوة عون أوحت بأنّ التوافق بينه وبين الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي على تشكيل الحكومة الجديدة ليس قائماً حتى الساعة، وذلك خلافاً لما سبق وأن عبّر عنه ميقاتي بعد اللقاءات الثمانية التي جمعته بالرئيس عون في قصر بعبدا، بأنّ الأجواء تفاؤلية وأنّ الحكومة قد وصلت الى خواتيمها.

غير أنّ المصادر نفسها أوضحت أنّ هذين الأمرين لم يدخلا ضمن حسابات الرئيس عون عندما قرّر دعوة مجلس الوزراء للإنعقاد، إنّما كان يهدف منها الى فرملة التداعيات الخطرة التي ستنجم عن قرار رفع الدعم عن المحروقات لا سيما على حياة المواطنين الذين سيفتقرون عندئذ الى أبسط مقوّمات الحياة. ولفتت الى أنّ دعوة عون استندت الى الفقرة 12 من المادة 53 من الدستور التي تنصّ على أنّ رئيس الجمهورية «يدعو مجلس الوزراء إستثنائياً كلّما رأى ذلك ضروريّاً بالإتفاق مع رئيس الحكومة»، وإن لم يذكر ما إذا كانت الحكومة مستقيلة أم لا.

وبطبيعة الحال، فإنّ حكومة دياب التي دخلت مرحلة تصريف الأعمال منذ أكثر من عام، وتقوم بمهمّة تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق بحسب ما تنصّ عليه الفقرة 2 من المادة 64 من الدستور، يُمكنها، لا بل من واجبها، على ما عقّبت المصادر عينها، أن تتدخّل عندما يكون هناك ما يتعلّق بتدابير الضرورة التي تفرضها ظروف إستثنائية في البلاد تؤثّر بشكل مباشر في الشأن العام، أي في حياة المواطن اللبناني. ولفتت الى أنّ حكومات سابقة عديدة اتخذت قرارات أقلّ من مصيرية خلال فترة تصريف الأعمال لتسهيل شؤون المواطنين، ما يحتّم على حكومة دياب عقد جلسة أو جلسات إستثنائية لاتخاذ القرارات التي تُنقذ الشعب من الموت المحتّم.

أمّا في ما يتعلّق بمسألة أن لا توافق جدّي بين عون وميقاتي على صيغة المسودة الحكومية التي يجري التشاور بشأنها منذ تكليف ميقاتي تشكيل الحكومة في 26 تمّوز الفائت خلال اللقاءات التي تجمع الرجلين، فضلاً عن الإتصالات المتواصلة بين الرئيس المكلّف والقوى السياسية والأحزاب الراغبة بالمشاركة في الحكومة الجديدة، فأكّدت المصادر نفسها أنّ أمور التأليف تسير في الاتجاه الصحيح، وأن لا علاقة بين دعوة الحكومة المستقيلة للانعقاد بسبب الظروف الإستثنائية وبين الولادة الوشيكة للحكومة بعد أسبوع أو اثنين. كما أنّ انعقاد مجلس الوزراء بشكل إستثنائي لا يؤثّر بالتالي سلباً على المشاورات الجارية بين الرجلين.

وتقول انّ الشعب اللبناني لم يعد باستطاعته الإنتظار ولو أسبوعاً واحداً أو أسبوعين لولادة الحكومة الجديدة وإصدارها بيانها الوزاري، ومن ثمّ نيلها الثقة لتبدأ بعدها باتخاذ قراراتها الإنقاذية والإصلاحية. فالإرتطام الكبير المتوقّع بعد رفع الدعم عن المحروقات سيحصل، ما سيؤدّي الى انعدام الأمن الغذائي والدواء والإستشفاء، والى عدم توافر الكهرباء والغاز والبنزين والمازوت وحتى رغيف الخبز وغير ذلك. وهذا الأمر لم يعد بالإمكان السكوت عنه، تحت ذريعة أنّ الحكومة الحالية مستقيلة ولا يُمكنها بالتالي اتخاذ القرارات، فيما الظروف الإستثنائية تفرض عليها الإنعقاد واتخاذ قرارات مصيرية من شأنه فرملة النزف الحاصل.

أمّا عمل الرئيس ميقاتي باستكمال المزيد من المشاورات والإتصالات فسيستمر خلال الأسبوع المقبل، مع الأطراف المعنية لإنجاز التوافق على الصيغة الحكومية، على ما أفادت المصادر، ولاختيار أسماء متجانسة فيما بينها لتولّي الحقائب السيادية والخدماتيّة، تكون قادرة فعلاً على العمل بشكل سريع بهدف إنقاذ البلاد من أزماتها وتحقيق الإصلاحات المطلوبة.

وفي حال تشكّلت الحكومة في غضون أسبوع أو اثنين على أبعد تقدير، فستقوم بوضع بيانها الوزاري وفق خارطة الطريق التي نصّت عليها المبادرة الفرنسية، ما سيجعلها تنال الثقة في المجلس النيابي، وتقوم فوراً بعقد الإتفاقيات وبالتفاوض مع صندوق النقد الدولي على تمويل البطاقة التمويلية التي من شأنها التخفيف بعض الشيء عن كاهل المواطن اللبناني الى حين البدء بإيجاد الحلول الجذرية للمشاكل التي يتخبّط فيها، والتي تتراكم يوماً بعد يوم بسبب عدم السعي لحلّ أي منها منذ عقود.