هل يُناقشها المجلس غداً ويُقرّر مع وصول الحكومة الى الأمتار الأخيرة؟


ليست المرّة الأولى التي يوجّه فيها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الرسائل الى مجلس النوّاب لحثّه على اتخاذ القرار المناسب لأمرٍ ما يُعرقل الحياة في البلاد أو يُشكّل خطراً عليها، لا بل هي المرّة الرابعة التي يدعوه فيها الى تحمّل المسؤولية التي لا تقوم بها الحكومة المستقيلة. وبعد أن تسلّمت الأمانة العامة لمجلس النوّاب الثلاثاء الرسالة الأخيرة التي وجّهها عون الى المجلس النيابي السبت حول موضوع وقف الدعم عن المواد والسلع الحياتية والحيوية، كما جاء فيها، طالباً من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي مناقشتها في المجلس وفقاً للأصول واتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار المناسب في شأنها، دعا برّي الى عقد جلسة عامّة في تمام الساعة الثانية من بعد ظهر يوم غدِ الجمعة الواقع فيه 20 آب الجاري في قصر الاونيسكو لتلاوة الرسالة الرئاسية الرابعة واتخاذ القرار المناسب بشأنها، فهل ستُعقد هذه الجلسة في ظلّ الأجواء التفاؤلية التي تتحدّث عن قرب ولادة الحكومة خلال الأسبوع الحالي، أم أنّ قرار رفع الدعم الذي يجد البعض أنّه تأخّر نحو سنة، قد هدف الى تطيير الحكومة الجديدة؟

مصادر سياسية متابعة أكّدت أنّ الرسائل التي يوجّهها الرئيس عون الى مجلس النوّاب لا تتعارض مع أي أمر آخر، ولا سيما ولادة الحكومة الجديدة. فحماية مصالح المواطنين تأتي قبل كلّ اعتبار، والرئيس عون شرح خلال رسالته الرابعة للمجلس التداعيات السلبية لقرار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة رفع الدعم من دون انتظار صدور البطاقة التمويلية، وترك له، كونه يضمّ جميع الكتل النيابية والأحزاب السياسية اتخاذ التدبير المناسب في شأن هذا القرار.

وأشارت المصادر الى أنّ برّي دعا الى عقد الجلسة (غداً) الجمعة، على ما يُفترض خلال ثلاثة أيّام بعد أن تُصبح بعهدة المجلس، بحسب ما ينصّ عليه النظام الداخلي، حتى وإن تزامن موعدها مع ولادة الحكومة الجديدة في حال تشكّلت فعلاً بعد أيّام، سيما وأنّها أصبحت في أمتارها الأخيرة من سباق التشكيل، على ما بشّر ميقاتي، عندها يكون بإمكان المجلس إيجاد مخرج ما، لإعادة الكرة الى ملعب هذه الحكومة، أو اتخاذ أي قرار مناسب لوقف التداعيات الخطيرة عن قرار رفع الدعم والتي تطال حياة المواطنين اللبنانيين بكلّ تفاصيلها. ولهذا، فإنّه كما جرت العادة، سيتمّ تلاوة الرسالة على النوّاب في قصر الأونيسكو، وسيبدأ النقاش بمضمونها على الفور أو يوم السبت أي في مهلة 24 ساعة، على ما حصل لدى الدعوة لمناقشة الرسالة الرئاسية الثالثة، إذ عُقدت الجلسة على مدى يومين متتاليين. وفي نهاية الجلسة، يقوم المجلس بالردّ على الرسالة المُرسلة من قبل رئيس الجمهورية، مُعلناً الموقف الذي جرى اتخاذه.

وذكّرت المصادر بأنّ الرسالة الأولى التي وجّهها عون الى المجلس النيابي خلال عهده كانت بتاريخ 31 تمّوز 2019، وقد طالب فيها تفسير المادة 95 من الدستور، فيما الرسالة الثانية وُجّهها بتاريخ 24 تشرين الثاني 2020، وطلب خلالها تفسير معنى «التدقيق الجنائي». أمّا الرسالة الثالثة فكانت بتاريخ 18 أيّار من العام الجاري، وقد طلب فيها عون وضع حدّ للتأخير في تشكيل الحكومة كون الرئيس المكلّف سعد الحريري (آنذاك) عاجز عن التأليف ويأسره، كما ورد في الرسالة. وكان رئيس الجمهورية يريد من المجلس اتخاذ إجراء ما بحقّ الحريري الذي كان يضع ورقة التكليف في جيبه ويُعطّل ولادة الحكومة، مثل سحب التكليف منه بعد أن تراجع عن الإعتذار، أو تحديد مهلة معيّنة للتكليف بشكل إستثنائي، هذه المهلة التي لا ينصّ عليها الدستور.

غير أنّ أحداً لا يضمن مناقشة المجلس لرسالة عون الرابعة غداً لسبب أو لآخر ، خصوصاً إذا ما قرّرت بعض الكتل النيابية مقاطعة الجلسة أو تعطيل انعقادها، سيما وأنّه سبق وأن جرى تأجيل جلسة مناقشة الرسالة الأولى التي وجّهها عون الى المجلس مرتين من دون تحديد موعد آخر لها. هذا وقد بدأت الكتل النيابية تُعلن مواقفها من هذه الجلسة التي يُفترض أن «تُحاسب» سلامة على قراره الآحادي، أو تؤيّده ما دامت البطاقة التمويلية ستحلّ جزءاً من الأزمة الراهنة، على ما يرى البعض. فيما جرت مناقشة الرسالة الثانية بعد ثلاثة أيّام من الدعوة اليها، وجرى اتخاذ القرار المناسب بشأنها والذي قضى بأن يشمل التدقيق الجنائي جميع الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة بالتوازي وليس فقط مصرف لبنان. كما جرت تلاوة الرسالة الثالثة، ومن ثمّ مناقشتها على مدى يومين متتاليين رغم الضجّة التي أثيرت حولها من قبل الكتل الحليفة للحريري، وصدر عنها موقف- مخرج نيابي حثّ الحريري على ضرورة تسريع تشكيل الحكومة بالإتفاق مع عون.

وتقول المصادر عينها بأنّ عدم تشكيل الحكومة والعودة الى نغمة المصالح الفردية والتعطيل هو «خطيئة»، على ما قال الرئيس المكلّف بعد لقائه الأخير مع الرئيس عون في قصر بعبدا الثلاثاء، غير أنّ هذه الخطيئة تُسجّل على كلّ المسؤولين الذين يتقاعسون عن تسهيل تشكيل الحكومة أو يعرقلونه لأسباب في نفس يعقوب. فلا خيار اليوم أمامهم سوى التوافق والتوصّل سريعاً الى الإعلان عن ولادة الحكومة التي عليها وقف النزف الحاصل في أسرع وقت ممكن. فرفع الدعم عن المحروقات سيؤدّي الى وصول سعر صفيحة البنزين الى 250 أو 300 ألف ليرة لبنانية، على ما يتوقّع العارفون، ما من شأنه أن ينعكس بشكل جنوني وخطير جدّاً على جميع أسعار المواد والسلع الغذائية والدواء والطبابة والتعليم والبناء والسكن وما الى ذلك.

ولهذا فمن مصلحة الجميع تحمّل مسؤولياتهم واتخاذ القرارات المناسبة، أكان على صعيد تشكيل الحكومة، أو في مجلس النواب بهدف إنقاذ لبنان من الوصول الى قعر الهاوية. وألمحت المصادر الى أنّ ثمّة من لا يزال يُراهن على الفوضى التي يمكن أن تتحوّل الى فجوات أمنية في سائر المناطق اللبنانية، على ما حصل أخيراً في عكّار، لوصول لبنان الى الإفلاس الكامل وسقوط الطبقة السياسية الحاكمة. علماً أنّ السفيرة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا التي تتابع ملف تشكيل الحكومة مع الرئيس عون وميقاتي، حذّرت من إمكانية حصول فوضى أمنية، في حال لم يتمّ تشكيل الحكومة فوراً. وما يثير العجب أنّ الجميع في الداخل والخارج يريد تشكيل الحكومة، غير أنّ هذه الرغبة لم تُترجم على أرض الواقع، حتى الآن، من دون معرفة الأسباب الحقيقية لذلك. ويتمّ التعويل على موقف ميقاتي الإيجابي الأخير عن قرب ولادة الحكومة لفرملة التدهور على جميع الأصعدة.

فالأجواء الإيجابية يحرص ميقاتي على بثّها بعد كلّ لقاء مع الرئيس عون، على ما أضافت المصادر، غير أنّه، في الوقت نفسه، يُلمّح من حيث يدري أو لا يدري، الى وجود بعض العراقيل من خلال بعض العبارات التي يُطلقها من هنا وهناك، مثل أنّ «عدم تشكيل الحكومة خطيئة»، وأنّ المهلة غير مفتوحة، وأنّه «يتمنّى» أن تُبصر الحكومة النور قريباً، ما يجعل المراقبين يخشون حصول عرقلة ما، كما في كلّ مرّة. علماً بأنّ الأجواء تشي بقرب ولادة الحكومة ووصولها الى الأمتار الأخيرة من سباق التشكيل في حال بقي التوافق سائداً بين جميع المعنيين.