في الوقت الذي بدأ فيه الشعب اللبناني يُعاني من تبعات رفع الدعم عن المحروقات والمواد الحيوية والحياتية، والذي فرض ارتفاع أسعار هذه الأخيرة نحو الضعف، أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله منذ أيام عن إبحار باخرتين من إيران تِباعاً، على أن تلحق بها سفن أخرى، محمّلة بالوقود، مشيراً الى أنّه سيأتي بكميّات مقبولة من المحروقات لتخفيف الضغط عن الشركات والمحطّات، وأنّ هذا مسار سيُواصله ما دام هناك حاجة في لبنان .فهل سيجرّ هذا القرار حرباً جديدة مع العدو الإسرائيلي سيما أنّ السيّد نصرالله أعلن أنّ «السفينة منذ اللحظة التي ستُبحر فيها ستُصبح أرضاً لبنانية» كون الولايات المتحدة الأميركية التي تفرض العقوبات الاقتصادية على إيران وحزب الله قد تطلب من حليفها في المنطقة منع مرور السفن الى لبنان مهما كلّف الثمن؟ وهل سيبقى موضوع ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي معلّقاً، بسبب طمع هذا الأخير ومحاولته الإستيلاء على جزء من الحقوق البحرية التابعة للبنان بدعم أميركي، وفي تخويف الشركات الدولية الملزّمة الحفر والتنقيب في المنطقة الاقتصادية البحرية من العقوبات الأميركية عليها؟!

مصادر سياسية مراقبة رأت أنّ ما حاول البعض الترويج له بأنّ استيراد حزب الله (المُعاقب أميركياً) للمازوت والوقود من إيران عبر البواخر الإيرانية من شأنه أن يجرّ البلاد الى حرب جديدة مع العدو الإسرائيلي، سرعان ما «مات في مهده»، والدليل أنّ هذا القرار الذي اتخذته جهة لبنانية للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني في ظلّ تقاعس الحكومة المستقيلة عن القيام بواجبها في تصريف الأعمال الى حين ولادة الحكومة الجديدة، جعل السفيرة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا تُسارع الى الإتصال برئيس الجمهورية العماد ميشال عون لتبليغه قرار الإدارة الأميركية مساعدة لبنان لاستجرار الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا عن طريق توفير كميّات من الغاز المصري. علماً بأنّ أزمة الكهرباء في لبنان قائمة منذ عقود ولم تقم الولايات المتحدة (أو سواها من الدول) قبل ذلك بتقديم أي حلّ لها.

وأكّدت المصادر أنّ ما جرى حتى الآن، وقبل وصول الباخرتين الإيرانيتين الى لبنان يدلّ على أنّ كلّ من الولايات المتحدة وإيران، تتنافسان للمرّة الأولى، والحمدلله، بشكل إيجابي، على مساعدة الشعب اللبناني الذي لم يعد يحتمل الأزمات التي تتوالى على كاهله الواحدة تلو الأخرى، وهذا أمر جيد وخصوصاً أنّه يُخفّف من معاناة اللبنانيين وإن كانت الأمور حتى الآن لا تزال غير واضحة تماماً بالنسبة لوصول البواخر الى المياه الإقليمية اللبنانية بشكل آمن، أو لتوزيع حمولتها من الوقود أو المازوت وعلى أي شركات أو مؤسسات. علماً بأنّ فنزويلا، على سبيل المثال، المدرجة على لائحة العقوبات الأميركية قد وصلت اليها السفن الإيرانية، من دون حصول أي اعتراض عليها.

وبرأي المصادر، إنّ كميات الوقود الإيرانية لن تحلّ أزمة المحروقات التي تجعل اللبنانيين منذ مدّة يقفون في الطوابير رغم ارتفاع أسعارها الى الضعف، غير أنّها ستُخفّف جزءاً من معاناتهم، لا سيما إذا ما سُلّمت المواد الى المستشفيات والأفران والمؤسسات التي تؤمّن الحاجيات الأساسية للمواطنين، على أنّ مواصلة وصول البواخر وتوفير المحروقات للسوق اللبنانية بشكل أكبر من شأنه وقف الاحتكار والتهريب تدريجاً بسبب انتفاء الحاجة الى هذه المواد.

أمّا في ما يتعلّق بقرار الإدارة الأميركية الذي يرفع تداعيات «قانون قيصر» على لبنان، من دون إعلان ذلك بشكل رسمي، وخصوصاً أنّ السفيرة شيا تحدّثت عن استجرار الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا، فإنّه يتطلّب، بحسب المصادر نفسها، أخذ رأي السلطات السورية في هذا الأمر بالدرجة الأولى، والعمل بالتالي سياسياً وديبلوماسياً من أجل تحضير الأرضية اللوجيستية له، وهذه مهام على حكومة تصريف الأعمال القيام بها، كونها تتعلّق بالأمور الحياتية اليومية للمواطنين، من دون أن يُعتبر ذلك خرقاً للدستور، على ما يتذرّع رئيسها حسّان دياب.

وعن كيفية حلّ مسألة معارضة بعض الأطراف في الداخل لفتح حوار مع سوريا لأي سبب كان، بما فيه إيصال الطاقة عبرها الذي اقترحته الإدارة الأميركية وأدرجت فيه ثلاث دول في المنطقة هي الأردن ومصر وسوريا، أشارت المصادرالى أنّ الأمر يُمكن حصوله من دون الحاجة الى اتخاذ أي قرار سياسي يُمكن أن يثير المزيد من الخلافات الداخلية. فالأجهزة المختصّة في لبنان وسوريا تقوم أساساُ بالتنسيق في أمور عديدة، ويُمكنها بالتالي متابعة هذا الموضوع كونه أمرا تقنيا، غير أنّه يحتاج بالطبع الى متابعة من قبل الحكومة لا سيما مع الأميركيين من أجل الحصول على التصاريح والأذونات في ما يتعلّق بوصول النفط الإيراني، كما باستجرار الطاقة من الأردن عبر سوريا، وهذا يتطلّب منها عقد جلسات وزارية لمواكبة هذه الأمور اليومية الضرورية لحياة المواطن.

وتقول المصادر إنه في ظلّ تراجع التفاؤل بقرب ولادة الحكومة هذا الأسبوع، بسبب الخلافات على الأسماء، فإنّه على حكومة دياب أن تُمارس دورها وخصوصاً أن لا حكومة جديدة بعد لكي تستقيل تماماً من مهامها، فالأمور التي تتعلّق بحياة المواطنين يجب أن تكون أولوية بالنسبة لحكومة تصريف الأعمال، التي عليها إدارة جميع الأعمال التي تخصّ الشعب اللبناني، فكيف إذا كانت الأزمة الإقتصادية والمالية والإجتماعية تطال كلّ جوانب حياته؟

أما في ما يتعلّق بمسألة ترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي والتي تحدّث عنها السيّد نصرالله أيضاً، فهي، على ما ذكرت المصادر عينها، لا تدخل في إطار التهديد بقدر ما جاءت في الهدف نفسه أي إنقاذ لبنان من أزماته، ولهذا فإنّ ما قاله السيّد نصرالله في هذا الإطار عن أنّه «إذا أتى الوقت أنه ليس هناك شركات تريد الحفر لاستخراج النفط والغاز من المياه الإقليمية، فنحن جاهزون للاستعانة بشركة إيرانية ولديها خبرة كبيرة»، مؤكّداً «أنّ الشركات التي لدينا لا تخاف القصف الإسرائيلي وهي تستطيع استخراج الغاز والنفط وبيعه»، لا بدّ وأن يُشكّل دافعاً للإدارة الأميركية لتشجيع العدو الإسرائيلي على العودة الى طاولة المفاوضات، كما سيحثّها على عدم استمرارها في ممارسة الضغط على الشركات الدولية لتأجيل بدء التنقيب في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان، على ما فعلت شركة «توتال» الفرنسية التي أرجأت أعمالها في البلوك 9 والتي كان يجب أنّ تنطلق في كانون الأول من العام الماضي بسبب الضغوطات الخارجية عليها وخوفاً من تعرّض أمن وسلامة العاملين فيها للخطر في حال نشوب مواجهات بين الجانبين على الحدود الجنوبية اللبنانية.