منذ نحو ستة عقود، قال مناحيم بيغن «العالم لا يشفق على المذبوحين، لكنه يحترم... المحاربين» !

أين لبنان من هذا الكلام؟ حين كان «الاسرائيليون» كجاليات آتية من أصقاع الدنيا، ومن أقاصي الحضارات، يبنون مفاعل ديمونا في صحراء النقب، كان اللبنانيون يبنون الكازينو، بالاطلالة السحرية على خليج جونية...

وحين كان «الاسرائيليون» يبنون «الجيش الذي لا يقهر»، كان بيار الجميل يبني ميليشيا  الكتائب على طريقة «الفالانج» التي أنشأها الجنرال فرانكو، وهو صاحب الشعار ـ الفضيحة- «قوة لبنان في ضعفه»، وان كان نشيد الحزب يضج بقرع الطبول «انّا اذا ريع الحمى بالغادر الأثيم نمشي الى النضال لصد كل غاصب». تلك الشيزوفرانيا السياسية، والطائفية، لدولة في مهب الريح؟

وحين كانت الطائرات «الاسرائيلية» تحلق في أجوائنا، خلال الخمسينات من القرن المنصرم، كانت العتابا والميجانا تصل الى جارنا القمر، حتى أن لامارتين رأى القمر وهو يتدحرج بين غابات الصنوبر قبل أن يضاجع عشيقته على سطوح قرانا.

على كل، نحن كلنا في المنطقة، لسنا نتاج جدلية تاريخية، وفلسفية، خلاقة بل نتاج «سايكس ـ بيكو»، وقاعة المرايا في قصر فرساي، ناهيك بمؤتمر «سان مارينو»، كتوزيع مبرمج للتركة العثمانية.

هل بنينا دولة لنسأل أين الدولة؟ وهل بنينا مواطناً لنسأل اين هو ذاك الشعب اللبناني الذي يعلق المشانق لمصاصي الدماء؟ خزانات الوقود، ومستودعات الأدوية، كشفت مدى ثقافتنا المركنتيلية، وكوننا القبائل (أو الطوائف) التي تأكل بعضها بعضًا...

هذه هي «الدولة الأقحوانية «L›Etat Chrysantheme كما في العلم السياسي) لا «دولة الأقحوان». كل فئة تسعى، وعلى نحو فوضوي، الى انتزاع ورقة من الزهرة دون أي اعتبار للتشكيل الأوركسترالي وللتشكيل البنيوي  للدولة، لا الدولة العارية بتأثير المحاصصة، وحيث التوزيع الزبائني للمواقع العليا في السلطة.

قد نكون، فعلاً، ضحايا الصراع السعودي ـ الايراني، أو ضحايا الصراع الأميركي ـ الايراني، ولكن متى لم يكن لبنان، كدولة عارية، أرضاً للصراع بين مختلف القوى الدولية والاقليمية، حتى أننا سلمنا مفاتيح الدولة الى ياسر عرفات قبل أن تنتقل الى آرييل شارون.

كيف، ولماذا، ظهر الدور الايراني في لبنان؟ أليس السبب الأساس لنشوء المقاومة غياب (وغيبوبة) الدولة، وغياب (وغيبوبة) العرب الذين أدوا قسطهم للعلى بتلك المبادرة الديبلوماسية العجيبة، وقد ماتت قبل أن تخفض الأعلام أمام فندق فينيسيا في بيروت؟  بكل معنى الكلمة، وفي حضرة تلك الطبقة السياسية البالية، نحن في أزمة بقاء. لا مجال للرهان على الصيغة الراهنة، ولا على النظام الراهن. الهلهلة السياسية، والهلهلة السوسيولوجية، وحتى الهلهلة الدستورية، في ذروتها. كحطام، هل نحن من يقرر الصيغة البديلة، أو النظام البديل، وربما... الدولة البديلة؟؟

ونحن في أروقة (وليس فقط على أبواب) الجحيم. ما الخطيئة التي اقترفناها  لكي يتخلى العالم عنا، ولكي يتخلى العرب عنا لنغدو في الدولة ـ المقبرة ؟

وأي قيمة للمبادرة الفرنسية، وقد ذرتها الرياح، حيث الحكومة ـ المهمة رهان كاريكاتوري، ما دامت حصيلة ذلك اللقاء الذي جمع ممثلي ملوك الطوائف، وملوك المافيات، في قصر الصنوبر؟

التهمة هي حزب الله) اذا كانت هناك من أذنين ليعرب بن قحطان). كان يفترض أن يترك لبنان تحت الأقدام الهمجية. ألا يفاخر الأميركيون باجتثاث الاحتلال الانكليزي اذا ما قرأتم ما قاله ألكسندر هاملتون في الاحتلال «كما لو أنك تقبل مساكنة قطيع من الخنازير تحت سقف منزلك»؟

الناقلة الآتية من مرفأ بندر عباس كسر لمعادلة الضعف. هكذا تبنى الدولة، بالقبضات المرفوعة لآ بالظهور المقوسة. وهكذا فهمنا كلام السيد. لسنا المذبوحين بل... المحاربين!