«اذاً ... قصة الشرق الأدنى ليست قصة موسى والمسيح وزرداشت ومحمد. قصة داريوس والاسكندر والقيصر وكليوباتره وجنكيز خان وهولاكو ونابليون واللنبي». التاريخ لصهيل الخيول لا لصهيل الأنبياء...

هكذا كتب فيليب حتي. لماذا قيض لنا، في هذا المكان، أن نكون فردوس الغزاة ؟ أشد هولاً من كل هؤلاء الغزو الأميركي الذي يراقص حتى عظامنا. مهمة الأمبراطوريات  عادة  وقف الزمن في المناطق التي تستولي عليها. وكان عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو قد لاحظ «أن الأزمنة الميتة لا بد أن تنتج مجتمعات ميتة». كعرب، لا نحتاج الى أي دليل حول كوننا ... المجتمعات الميتة»!

التراجيديا الأفغانية أمامنا، لكأنها في عقر دارنا. هل خطر في بال القادة العرب (بصلاحيات الآلهة أم بصلاحيات الدمى ؟)، أن يتساءلوا عن مآل عروشهم حين تغادر الأساطيل غرف نومهم ؟ هنا البلاط كل شيء. لا مكان للآخر، ولو كان هذا الآخر أفلاطون أو الخوارزمي. بكل تلك الهالات المقدسة « لسنا أكثر من حجارة الشطرنج بين يدي الجنرال كينيث ماكنزي».

رأينا كيف تعامل الجنرالات الأميركيون مع الأفغان. حتى الذين تسنى لهم أن يتكدسوا في طائرات النقل التي انتقلت بهم الى بلاد أخرى، ليعانوا فظاعة الاجتثاث، وهم يتحولون الى أكياس بشرية على أرصفة الأمم.

هذا منطق الأمبراطوريات حين تغادر أو حين تموت. الأمبراطورية العثمانية لم تترك سوى المشانق، وسوى المقابر، ناهيك بالألقاب الفاخرة التي لا تزال شائعة عندنا. المشكلة هنا، في الشرق الأوسط، أن ورثة الأميركيين، في أحسن الأحوال، على شاكلة «طالبان» التي تحاول  أن تغسل يديها من الدم، وهي التي بدأت بحفر القبور لمعارضيها ولو حملوا الملائكة على ظهورهم.

هذا لا ينتظرنا وحدنا. المؤرخ الاسرائيلي البارز شلومو صاند، صاحب «كيف تم اختراع شعب اسرائيل ؟»، يدق ناقوس الخطر. اسرائيل ليست «الوديعة الأميركية». «القوقعة الأميركية».

حين ترحل الاساطيل، لا بد أن تتفكك «دولة يهوه» قطعة قطعة، كتشكيلات فسيفسائية تم استجرارها الى «أرض الميعاد». تماماً كما حدث اثر موت سليمان. الحرب بين «مملكة يهوذا» و»مملكة اسرائيل» التي انتهت باندثار اليهود...

هؤلاء باستطاعتهم العودة من حيث أتوا. ولكن الى أين يذهب العرب ؟ الأنظمة باقية حتى آخر برميل نفط (هكذا يخيل اليها). آلان الفيلسوف اليهودي الفرنسي آلان فيلكروت تحدث، بكل تلك الفظاظة، عن النوق «التي ستكون بانتظاركم عند بوابة القصر». اذاً، العودة الى مضارب القبائل، ولكن من دون الزير المهلهل، ولا عنترة بن شداد.

هل نكون صعاليك الزمن الآخر ؟ كل تلك التريليونات لم تفتح أمامنا ولو كوة، للولوج الى العالم الصناعي. استطراداً، العالم التكنولوجي. ثقافة التنك...

لندع الرمانسيين يكتبون عن اللحظات الأندلسية الأخيرة (يا مناديل المرمر في غرناطة !). النوق في انتظارنا أم تلك الظواهر ما قبل البشرية التي ترعرعت في الكهوف، على وقع التأويل الدموي، التأويل الميكانيكي للنص القرآني. ألم يظهر حملة السواطير، حتى على سفوح السلسلة الشرقية في لبنان، وحيث الاطلالات الأولى لصديقنا القمر؟

فلاديمير بوتين قال للملك عبدالله الثاني ان مستقبل الأردن في سوريا لا في أي مكان آخر، وبعدما عاد التواصل بين «اخوان اربد» و»اخوان درعا». القيصر لديه كل الوثائق الأنكليزية، وحيث تم اختراع المملكة الهاشمية لتكون الخنجر في الخاصرة السورية، كما في الخاصرة العراقية، كمدخل لتحقيق وعد بلفور.

منذ البداية، قال الرئيس الروسي ان النظام العالمي الجديد ينبثق من سوريا التي نأمل، ممن يعنى بمستقبل المنطقة أن يطلع على دورها المحوري حتى ابان الأمبراطورية الرومانية، وكانت القوة المركزية في مواجهة الأمبراطوريات الأخرى.

كم نبدو سذجاً حين نراهن على البديل الصيني  (التنين الذي يبيض ذهباً). متى يكون البديل الأمبراطورية العربية لا الأمبراطورية الصينية، ولا أمبراطورية تورا بورا التي، حتماً، بانتظارنا. بانتظار جماجمنا ؟