منذ أن جرى تكليف رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة من أجل إخراج البلاد من الجمود السياسي الحاصل مع احتفاظ الحريري بورقة التكليف في جيبه نحو 9 أشهر، قرّر ميقاتي وضع الأمور الخلافية جانباً لعدم تعثّر التشكيل، والبدء بما يُمكن التوافق عليه سريعاً. وبدا في طريقته هذه، التي اختلفت عن طريقة سلفه، رغم سيره على الطريق نفسها، مثل التلميذ الذي يقدّم على امتحان ما، فيُحيب عن الأسئلة السهلة أولاً وسريعاً ويترك الوقت المتبقّي للأسئلة الصعبة. فهل نجح ميقاتي في مهمّة التكليف ويُمكن الحديث عن أنّ ولادة الحكومة باتت قريبة جدّاً؟ أم أنّ حلّ الإجابات الصعبة، أي المسائل الخلافية، سيتطلّب وقتاً أطول بعد، خصوصاً مع دخول بيان «نادي رؤساء الحكومات السابقين» على خط التأليف من خلال اتهام رئيس الجمهورية بتفحير مرفأ بيروت؟ وفي حال لم يتمّ استكمال تذليل العقد المتبقية والتوافق عليها، فهل سيتمّ نسف الحكومة برمّتها، فتكون طريقة ميقاتي قد اختلفت عن طريقة الحريري، غير أنّها وصلت الى الطريق المسدود نفسه فيُقدّم اعتذاره ونعود الى المربع الأول؟!

أوساط ديبلوماسية عليمة تحدّثت عن أنّ ميقاتي مدعوم من قبل الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ولا «فيتو» سعودي عليه، من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، غير أنّ الضغط من الخارج على الداخل للمضي سريعاً في تشكيل الحكومة يحصل من باب رفع العتب، وكان آخره الرسالة العاجلة للمسؤولين اللبنانيين من قبل الممثل الأعلى للإتحاد الأوروبي جوزيب بوريل بضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة والقيام بالإصلاحات اللازمة. فالجهود السياسية والديبلوماسية منصبّة اليوم على ما يجري في أفغانستان بعد تسلّمها من قبل «حركة طالبان» ومغادرة القوّات الأميركية للبلاد، لا سيما بعد الإنفجارين الإنتحاريين الأخيرين. والدول الأوروبية وأميركا وسواها تجهد لإنهاء عمليات إجلاء رعاياها من أفغانستان تزامناً مع مغادرة عدد كبير من الأفغان لبلدهم، وفي ظلّ حديث الرئيس الأميركي جو بايدن عن أنّه «لا يُمكن إجلاء كلّ أفغاني يريد مغادرة البلاد»، بعد أن قُتل 13 جندياً أميركياً من بين أكثر من مئة قتيل، وأصيب 18 خلال التفجيرين الأخيرين في مطار كابول.

من هنا، ترى الاوساط بأنّ إنجاز تشكيل الحكومة لا بدّ وأن يحصل من التوافق الداخلي بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي اللذين يتعاونان حتى الآن على حلحلة العقد، كما بين ميقاتي وسائر الكتل النيابية الراغبة في المشاركة في حكومته الجديدة، وتقول الاوساط بأنّ ميقاتي أرجأ البتّ بالنقاط الخلافية مثل وزارة الداخلية والثلث المعطّل والتسميات كونها شكّلت العقد الكبرى في تشكيلة الحريري، الى ما بعد التوافق على عدد الوزراء وتوزيع الحقائب على الطوائف والأحزاب السياسية.

ويُمكن القول بأنّ ميقاتي تمكّن طوال الشهر الأول على تكليفه من حلّ عقدة وزارة الداخلية من خلال موافقة الرئيس عون على إبقائها مع الطائفة السنيّة وتولّيها من قبل مدير عام قوى الأمن الداخلي السابق اللواء المتقاعد ابراهيم بصبوص، كما تفلّت من مبدأ المداورة الذي نصّت عليه المبادرة الفرنسية من خلال التوافق على «إبقاء القديم على قدمه»، فيما يتعلّق بالحقائب السيادية، في ظلّ عدم موافقة رئيس الجمهورية على «نصف مداورة» أو على استثناء إحدى الحقائب السيادية من هذا المبدأ، ويبقى أمامه تذليل عقدة الوزيرين المسيحيين المتبقيين من خارج حصص المسيحيين المشاركين في الحكومة التي هي على الشكل الآتي: 6 وزراء من حصّة رئيس الجمهورية + وزير الطاشناق من حصّة الرئيس عون، و2 لـ «تيّار المردة»، و1 لـ «الحزب القومي السوري الإجتماعي»، أي ما مجموعه 10 وزراء. فالنقاش لا يزال يدور على التوافق على تسمية الوزيرين المتبقيين في ظلّ الخشية من «الى كفّة أي فريق سياسي سيميلان»، سيما وأنّ «الفيتو» موضوع على «الثلث المعطّل» لأي طرف لكي لا يقوم بالتحكّم بقرارات الحكومة، من قبل ميقاتي و»نادي رؤساء الحكومات السابقين» والطائفتين السنيّة والشيعية من جهة، كما من دول الخارج من جهة ثانية.

وفي تفاصيل التشكيل بعد اللقاءات الـ 13 التي عُقدت حتى الآن بين الرئيس عون وميقاتي، الى جانب المشاورات الأخيرة التي قادها مندوبان عن الرئيسين، أصبح معلوماً بأنّ الإتفاق على شكل الحكومة ومضمونها بات منجزاً، كما على توزيع الحقائب الذي قد يتغيّر فيما لو تبدّلت بعض الأسماء، كما جرى التوافق على أن يكون وزيرا «المردة» مارونيين على أن يُستكمل البحث بشأن الحقيبتين اللتين ستُسندان إليهما وهي عقدة مستجدّة تحتاج الى التذليل، وأن تكون نيابة رئاسة الحكومة للحزب القومي، وتمّ أيضاً اقتراح أسماء بديلة من قبل الرئيس عون وميقاتي للوزارات التي لم تُحسم بعد مثل العدل والشؤون الإجتماعية، فيما بعض الأسماء المطروحة لا تزال تحتاج للمزيد من الدرس.

وأشارت الاوساط الى أنّ أموراً عدّة قد سُوّيت انطلاقاً ممّا جرى التوافق عليه مع الحريري في وقت سابق، مثل تشكيل الحكومة من 24 وزيراً على قاعدة 3 ثمانات مع احتساب وزير الطاشناق من حصّة رئيس الجمهورية، فضلاً عن مسألة أن يكون رئيس الحكومة ونائب الرئيس بلا حقيبة، وأن يكون لكلّ من الوزراء الـ 22 الآخرين حقيبة متخصّصة واحدة، فيما تنازل الرئيس عون عن وزارة الداخلية التي كان يصرّ على أن تكون من حصّته في تشكيلة الحريري، مقابل حصوله على حقيبة شبه سيادية مثل الطاقة، أو العدل. وأكّدت الاوساط بأنّ شراكة الرئيس عون مع الرئيس المكلّف في التشكيل يجري احترامها، إذ يُمكن إعطاء الرأي في كلّ أسماء التشكيلة الحكومية من قبل الطرفين، وهذا الأمر هو الذي يُعقّد الأمور بعض الشيء، ولهذا طُرحت مسألة أن يُسمّي المسيحيون وزراءهم، والمسلمون وزراءهم، الأمر الذي لم ينل إعجاب وموافقة البعض في الداخل.

وبرأي الاوساط، فإنّ الرئيس عون الذي لم يُعطَ وزارة الداخلية التي كان يُطالب بها، ولا «الثلث المعطّل» الذي أعلن مراراً أنّه لا يريده، فيما كان من حقّه في حال مشاركة «التيّار الوطني الحرّ» في الحكومة، إنّما حصل على «الشراكة» في التشكيل مع ميقاتي، لن يتنازل أكثر عمّا هو من حقّه. وتقول الاوساط بأنّ ما صدر من اتهام لرئيس الجمهورية بتفجير مرفأ بيروت من قبل «نادي رؤساء الحكومات السابقين» الذي يُشكّل ميقاتي عضواً فيه، في بيانه الذي صدر يوم الخميس بعد اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس عون وميقاتي، هو أمر مؤسف، كونه يدخل على خط تشكيل الحكومة ليعطّله. وقد أسف مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية في معرض ردّه على البيان نفسه لاتهام رئيس الجمهورية في موضوع تفجير المرفأ، في حين أنّ الرئيس عون وضع نفسه بتصرّف المحقّق العدلي لسماع شهادته، كما وجد أنّ توقيت البيان مُريب، فيما رئيس الجمهورية يبذل جهداً لتأليف الحكومة للتصدّي للمعاناة القاسية التي ينوء الشعب اللبناني تحت أثقالها.

وتجد الأوساط عينها بأنّ ما ورد في هذا البيان من شأنه أن يُعيد التوافق على قرب ولادة الحكومة خطوات عدّة الى الوراء، سيما وأنّه يزيد الأمور تعقيداً مع موافقة ميقاتي على كلّ ما ورد فيه من اتهامات لرئيس الجمهورية، غير أنّ الاوساط أوضحت، في الوقت نفسه، بأنّ كلّ الأمور النقاشية المتبقيّة في مسألة تأليف الحكومة يُمكن حسمها خلال جلسة واحدة في حال صفت النوايا وسيطرت إرادة التشكيل على الرئيس عون وميقاتي شرط عدم تغيير المطالب والشروط المتفق عليها حتى الآن، وإدخال الإتهامات التي ليست في أوانها، في عملية التأليف.