لن يدخل الى رؤوسنا (هل بقيت لنا رؤوس؟) أن ميشال عون ونجيب ميقاتي من يمتلكان صلاحية اطلاق الدخان الأبيض أو الدخان الأسود...

المسألة لم تعد، قطعاً، أي حكومة؟ أي دولة؟ لا هذا ولا ذاك من اصحاب القرار، كما لو أننا، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم نجعل هذه الجمهورية مسرحاً للرسوم المتحركة.

حتى البلدان العربية التي يعبث بها الأميركيون، ويعبث بها الاسرائيليون، ويعبث بها الأتراك، بل وتعبث بها سائر الأمم، تعبث بنا. رؤوسنا (رؤساؤنا) لم يعودوا أكثر من كرة في ملعب لكرة القدم.

ماذا تبقى من ميشال عون لكي يكون معنياً بهذه الحقيبة أو تلك. انه الجنرال الذي خلع النجوم عن كتفيه لحظة دخوله الى القصر بتلك التسوية الزبائنية، الا اذا كان قد تصور أن سعد الحريري عقبة بن نافع، والا اذا كان قد تصور أن سمير جعجع الأم تيريزا...؟

وأي نجيب ميقاتي حين يكون رهينة بيت الوسط الذي لم تعد جدرانه من الرخام بل من الزجاج؟ حين يقول قائل في قصر اليمامة: هل هذا حقاً ابن رفيق الحريري؟!

وقلنا هذه فرصة نائب طرابلس لكي يلقي بفؤاد السنيورة عن ظهره، وعن أذنه. هو فاز في انتخابات طرابلس دون منّة من أحد، ولم يفعل ما فعله غيره حين نقل سجل نفوسه الى بيروت. كما لو أن المدن الأخرى لا تنتج، أيضاً، كبار القوم. هذا لنلاحظ كم انتجت عكار من الأدمغة الرائعة، كذلك حال الأرياف السنية الأخرى، من البقاع الغربي الى اقليم الخروب انتهاء بالعرقوب.

طرابلس مثل صيدا مدينة محورية في تاريخ المنطقة، وفي ميتولوجيات المنطقة. لم يكن هناك من هوميروس ليكتب الالياذة اللبنانية، وهي عضوياً، الالياذة السورية بتألقها الأسطوري على الضفاف الشرقية للمتوسط.

لماذا استهلكتنا، كسياسيين، وكاعلاميين، الطريق بين بيت الوسط وقصر بعبدا. ثمة أصابع غليظة عند كل منعطف. ولطالما قلنا أن الكثير من مستشاري هذا الزمان  بالوجوه الببغائية، وبالأدمغة الببغائية، ليسوا أفضل من راقصات الباريزيانا في زمن الطربوش والخيزرانة. هزي يا نواعم، ولو كانت النواعم بحجم صهريج المازوت. آه ... صهريج المازوت!

لا نعلم أين نحن على الخط الأميركي ـ الايراني (خط التوتر العالي)، أو على الخط السعودي ـ الايراني، أو على الخط الفرنسي ـ التركي. لسنا أكثر من ألواح خشبية (ألواح راقصة)، وتعبث بالحقائب مثلما يعبث الأطفال بعلب الكرتون الفارغة. كم نشبه علب الكرتون الفارغة!

دأبنا على الحديث عن اللوياجيرغا الأفغانية (كونسورتيوم القبائل) كصورة عن اللوياجيرغا اللبنانية (كونسورتيوم الطوائف). الآن أكثر من اشارة الى البعد الأفغاني في الأزمة اللبنانية. ما هي تداعيات قيام نظام راديكالي في أفغانستان، حيث الخاصرة الآسيوية (خاصرة النار)، التي كأنها احدى بوابات الشرق الأوسط؟

التداعيات على بلدان المشرق العربي، وحيث أظهرت تجارب السنوات الماضية، مدى التفاعل بين الكثير من الفئات، حتى في الحرم الجامعي، وتلك الحالات التي ترفع شعارات جاذبة لدى أجيال تعيش صدمة الاستنزاف الغربي (المنهجي) للثروات، ودون وجود المؤسسات السياسية التي تعبّر عن أفكار تلك الأجيال.

ألم يجعلنا أولياء أمرنا، في الدين وفي الدنيا، ضائعين بين ثقافة القبور وثقافة الخنادق ؟ مشكلتنا كلنا في التبعية الدموية للتاريخ (أي تاريخ؟)، وفي التبعية الدموية للايديولوجيا (أية ايديولوجيا؟).

لننظر أين العالم وأين نحن. المرة تلو المرة نأخذ بالمثل الكوري، وبتقرير البنك الدولي عام 1964 الذي وصف شبه الجزيرة الكورية بـ (المنطقة صفر)، لخلوها من الموارد البشرية والموارد الطبيعية. الآن، أمبراطورية تكنولوجية في كوريا الجنوبية. لا مكان لنا في القرن، وقد بتنا نزلاء على جهنم، كما بشرنا صاحب الفخامة، فيما تقتل، بايدينا، ما تبقى من الوقت، وما تبقى من الطحين، وما تبقى من المازوت.

أبعد بكثير من أزمة حكومة. أزمة دولة. هذا جوهر المسألة. لا دولة في لبنان دون حرب اقليمية كبرى أو دون تسوية اقليمية كبرى، ودائماً بقفازات خارجية.

لبنان، كظاهرة فذة للتنوع، حولناه الى ظاهرة أفغانية. أسوأ بكثير من مستنقع القبائل، مستنقع الطوائف...