في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي قضت على مجمل القطاعات وخاصّة المحروقات، يعاني الشّعب اللّبنانيّ اليوم من أزمة محروقات تشلّ الحركة في البلاد وتعود بنا الى الحرب اللّبنانية حيث عانى اللبنانيون من انقطاع مادّة البنزين من جهة وتهريبها من جهة أخرى، واليوم التاريخ يعيد نفسه، إنّما لا صوت قذائف ومدفعيات هنا.

هنا، أصوات المواطنين وصرخاتهم ووقوفهم في طوابير الذلّ بانتظار الحصول على تنكة بنزين لسياراتهم، إلا أنّ البنزين في لبنان مغشوش أيضاً!

وفيما الأزمة تشتدّ بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وعجز الدّولة عن التسديد ما اضطّرها الى الحديث عن رفع الدعم عن المحروقات، وبعد إقرار السعر الرسمي للصفيحة على أساس ثمانية آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد، ارتفع المعدّل الوسطي لسعر الصفيحة الى 130،000 ليرة لبنانية تقريباً. وحين اعتقد اللبنانيّ أنّها فُرجت، ملأ خزّان سيارته وقودا، إنّما وجد نفسه يعاني من مشاكل أخرى ظهرت حديثاً لسيارته، أرغمته على صيانتها على سعر صرف السوق الموازية، ناهيك بالحديث الملموس عن التلاعب بعدّادات المحطات.

«الدّولية للمعلومات»: بعد رفع أسعار البنزين 1311 ليرة كلفة كل كيلومتر!

في تقرير لها، أشارت «الدّولية للمعلومات» أنّه بعد رفع سعر صفيحة البنزين الى 128،200 ليرة، ارتفعت كلفة الانتقال بالسيارات الخاصة، وأصبحت كلفة كلم الواحد نحو 1311 ليرة لبنانية لسيارة متوسط استهلاكها 170 كلم/ 20 ليتر بنزين. وترتفع الكلفة كلما زاد استهلاك السيارة، وايضاً كلما كان طرازها قديما وبحاجة الى صيانة دائمة. وتتوزع هذه الكلفة كالآتي:

كلفة البنزين :754 ليرة

كلفة الزيت والفلتر للمحرك: 100 ليرة

كلفة البطارية: 43 ليرة

كلفة الدواليب: 173 ليرة

كلفة البوجي: 14 ليرة

زيت الاتوماتيك: 20 ليرة

كوابح امامية وخلفية: 70 ليرة

ماسحات للزجاج: 7 ليرة

رسوم الميكانيك: 9 ليرة

تأمين ضد الغير + تأمين الزامي: 110 ليرة

غسيل السيارة 6 مرات سنوياً: 11 ليرة

فمثلاً كلفة الرحلة من طرابلس الى بيروت ذهاباً واياباً 210 آلاف ليرة لبنانية، ومن بيروت الى جونية ذهاباً واياباً 65 ألف ليرة لبنانية.

ولا تدخل في احتساب هذه الكلفة الأعطال المفاجئة والمحتملة (دينامو- مارش- فيتاس- مروحة-قشاط المروحة- امورتيسور وغيرها).وقد اعتمد التّقرير لتحديد كلفة استهلاك البطارية- البوجي- الدواليب وغيرها ان المسافة التي تقطعها السيارة سنوياً بمعدل 11 ألف كلم، وتم تحديد سعر صرف الدولار بـ 19,000 ألف ليرة.

المواطن يقارن... تنكة ما قبل الأزمة... أفضل!

جوزيف (45 عاماً)، شاب لبناني يسكن في الشمال ويعمل كمندوب جوّال لإحدى الشركات، يقول ل «الدّيار»:»أعمل كمندوب جوّال من أكثر من أربعة عشر عاماً، وفي السنين الخمس التي مضت استهلكت سيارة صغيرة (4 سيلاندر)، وبمعدّل عام، أستهلك إجمالاً تنكة بنزين لكلّ 200 كم، أمّا اليوم وبعد الأزمة المستجّدة على المحروقات، أقود السيارة نفسها، وأجوب المناطق ذاتها والتنكة –إن حصلتُ عليها- استهلكها على مدى 170 كم كحدّ أقصى. فبات من الواضح أنّ التلاعب بالمحروقات وخاصّة البنزين حاصل ممّا يؤثّر في الاستهلاك وفي حيوية السيارات التي تفقد عافيتها مما يستوجب صيانتها، وهي المشكلة الكبرى لأنّ جميع قطع السيارات تُباع إمّا بالدولار وإمّا بحسب سعر الصرف في السوق السوداء. فهل يستطيع الموظّفون مثلي تحمّل كلّ تلك الأعباء، وبخاصّة أننا نتقاضى راتباً يرتفع عن خطّ الحدّ الأدنى للأجور (675000) خجولاً؟! بتنا على يقين أنّ قدرنا كلبنانيين ألا نحصل على النّعم كافّة، فالعقبات دائماً موجودة، باتت واحدة من روتيننا اليومي، فلا عيشة هنية في لبنان!»

الميكانيكيون يتكلمون بلسان الشّعب ويفنّدون مشاكل السيارات التقنية!

حملت الدّيار صرخة جوزيف وتوجّهت الى مرآب تصليح سيارات للاستفسار عن الموضوع، فيشرح فرتان ، وهو صاحب المرآب الميكانيكي، تداعيات أزمة البنزين قائلاً: «اعتقد الجميع بداية أنّ الأزمة ستقتصر على الاستحصال على البنزين أو عدمه، وبعد ارتفاع الأسعار بشكل لا يتناسب مع الشركات والتجّار، عمدت بعضها الى التلاعب بمادّة البنزين والتخفيف من الأوكتان الموجود بداخلها بعمليات كيمائية، فمن ظنّ أنّه يحصل على 95 و 98 أوكتان، مُخطئ حقّاً. هذا من جهة الشركات، أمّا من جهة المحطّات فبات الأمر سهلاً على أصحابها بالتلاعب بالعدّادات الرقمية، فتنكة البنزين الواحدة لم تعد تُساوي 20 ليتراً بل أقلّ. وأكثر من هذا كلّه والأخطر على السيارات هي أنّه وبسبب الأزمة وعدم تسليم الشركات البنزين للمحطّات، تفرغ خزّانات المحطّة، فتتجمّع بجوفها الأوساخ والرواسب النّاتجة من مادّة البنزين، وبعد إعادة تعبئتها، تنتقل هذه الرواسب الى السيارات، فتتسبّب بفشل في مضخّة البنزين والمنقيات ما يؤثّر أيضاً في البخاخات وال «بوجي – Bougie» مما يستدعي صيانة ميكانيكية، وقطع السيارات اليوم تخضع جميعها لسعر صرف السوق الموازية للدولار، فيكون بهذه الطريقة المواطن هو كبش المحرقة. فمنذ بدء أزمة الدولار أستقبل في مرآبي ما لا يقلّ عن ثلاث سيارات يومياً مشاكلها التقنية سببها البنزين المستهلك وصرخة أصحابها تتصاعد».

أصحاب المحطات: دفاع عن النّفس

عن التلاعب بعداّدات المحطّات، قال س. ط.، وهو صاحب إحدى محطّات المحروقات في الشمال، أنّ كل ما يتمّ تداوله حيال هذا الموضوع افتراء، معتبراً أنّ أصحاب المحطّات هم الحلقة الأضعف وضحية تسليم الشركات لمادّة البنزين وتوابعها من المحروقات كالمازوت مثلاً، ويؤكّد أنّ عدّادات المحطات صحيحة مئة في المئة ، أضاف: «نتفهّم صرخة الشعب اللبناني ونحن جزء لا يتجزأ منه، ولكن من أين نأتي بالبنزين إذا كانت الشركات لا تسلّمنا الكميّات المحدودة؟ كما أننا نشتري المواد القانونية 95 و 98 أوكتان، إلا أننا لا نعرف ما إذا كانت الشركات قد تلاعبت بدرجات الأوكتان ، فيجب أن يخضع لفحوصات مخبرية على الدّولة التأكّد منها، فهذا من مسؤولياتها!»

تمرّ الأيام والمشاكل والنكسات في لبنان تمرّ أيضاً إنّما تاركةً الأثر السلبيّ الأكبر على المواطن لجهة الوضع المالي خاصّة، فكلّ ما يُسهّل العيش مرهون سعره... وأمام أزمة البنزين والمضاعفات التي تُسببّها، هل تتدخّل الدّولة لفرض النّوعية الجيدة ورفع سقف الرقابة على الجودة كما تحركت وأجبرت المحطات على فتح أبوابها وتأمين المحروقات للمواطنين؟ سؤال بعهدة المعنيين، ينتظر الجواب النطبيقي قبل فوات الأوان من أجل الحدّ من الخسائر في السيارات...  

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء