لا تزال ولادة الحكومة تدور في مكانها منذ حرب البيانات الإتهامية المتبادلة بين بعبدا والبلاتينوم الخميس الفائت، ورغم الإشارات التي تلتها عن أنّ ميقاتي ليس هو المقصود من البيان الصادر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية إنّما كلّ من يتحدّث بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يريد «الثلث المعطّل». علماً بأنّ عون قد كرّر للمرّة الألف ربما أو أكثر، بأنّه غير متمسّك بالثلث الضامن. ولا يُمكن بالتالي عدم وضع الثقة بما يُصرّح به رئيس الجمهورية عن نواياه من قبل أي طرف كان. وإذ بردت الأجواء على خط بعبدا- البلاتينوم بهدف استكمال السعي لتشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن، أفادت المعلومات عن جمود سياسي الجمعة مع وصول التأليف الى إمكانية حلحلة العقد الأخيرة.

وتقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة بأنّ «الثلث المعطّل» لا يزال مهيمناً على عرقلة ولادة الحكومة، رغم تأكيد الرئيس عون عن أنّه لا يريده، كون الولايات المتحدة وفرنسا تشدّدان على عدم حصول أي طرف مشارك في الحكومة على الثلث الضامن، لكي لا يتحكّم بقرارات الحكومة الجديدة التي يُفترض أن تُشكّل للقيام بعملية إنقاذية وبتحقيق الإصلاحات المطلوبة. فالمسألة لا ترتبط بالثلث الضامن أو المعطّل بحدّ نفسه، بقدر ما تتعلّق بمن يمتلك القرار، لاحقاً، لا سيما إذا ما تمكّن أي فريق سياسي من الحصول على هذا «الثلث المعطّل». في حين يصرّ الرئيس عون على كيفية إدارة النظام والبلد وفقاً للدستور والقانون، في ظلّ هذه المرحلة الخطيرة التي يشهدها لبنان والمنطقة ككلّ...

أمّا تراشق البيانات الإتهامية فقد أثّر سلباً على العلاقة بين عون وميقاتي التي بدا أخيراً أنّها ليست على أحسن ما يُرام، على ما أضافت، وإلا لما جرى إدخال مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم كوسيط بين الرجلين الى حين التوافق النهائي على التشكيلة الحكومية. علماً بأنّ حركته جُمّدت أمس الجمعة بعد تراشق البيانات الخميس رغم إعادة توضيح الأمور لتبريد الأجواء واستكمال التشاور. غير أنّ الأوساط عينها لفتت الى أنّ اللواء ابراهيم لم يستلم حتى الآن، مهمّة سياسية أو ديبلوماسية معيّنة إلا ونجح فيها. وعلى هذا الأساس تأمل في أن تتمكّن وساطته بين عون وميقاتي أن تؤدّي الى ولادة الحكومة قريباً، إذا لم يكن في نهاية الأسبوع الحالي، فمع بداية الأسبوع المقبل على الأرجح.

وبرأيها، إنّ الحديث عن الفرص الأخيرة الذي ساد خلال أشهر تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، يعود اليوم. فوساطة اللواء ابراهيم تكاد تكون الفرصة الأخيرة المتاحة حالياً لإنقاذ لبنان من الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة التي يتخبّط فيها، ولهذا لا بدّ من استفادة الأطراف المعنية منها، والمضي في إنهاء التوافق على التشكيلة التي باتت جاهزة، وإلاّ فستبقى حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة حتى نهاية العهد. وهذا الأمر إن دلّ على شيء، على ما عقّبت، فليس على تعويم حكومة دياب الذي يرفض ذلك بشكل قاطع، إنّما على استمرار الإنهيار وصولاً الى الإرتطام الأخير، وقيام كلّ حزب أو طرف سياسي بجهود فردية لتأمين ما يُمكنه من سلع واحتياجات ومواد ومستلزمات لحلّ إحدى الأزمات التي يعاني منها الشعب اللبناني.

وبالعودة الى مسألة تشكيل الحكومة، أفادت المعلومات أنّ الأمور لا تزال تحتاج الى المزيد من المشاورات لحلّ عقدتين أساسيتين هما: عقدة تسمية وزير الإقتصاد، في ظلّ الحديث عن أنّ كلّ من عون وميقاتي يريد حقيبة الإقتصاد له. وكان ميقاتي وافق على أن تكون وزارة الشؤون الإجتماعية التي طالب بها عون من حصّته، مقابل حصوله هو على الإقتصاد. فيما يرى عون أن تنازله عن وزارة الداخلية للرئيس المكلّف بعد إصراره عليها مع الرئيس السلف كونه لم يحصل عليها ولا أي مرّة واحدة في عهده، تُساوي أن يتنازل ميقاتي عن حقيبة الإقتصاد للرئيس عون أيضاً، أو التوافق بينهما على الأقلّ على تسمية وزير محايد لها.

أمّا العقدة الثانية، فتتمثّل، بتسمية الوزير الثاني من الوزيرين المسيحيين من خارج حصة عون والطاشناق، و»تيّار المردة» والحزب القومي. فبعد أن حُسم إسم الوزير الأول لصالح المرشّح المستقلّ طوني سرياني، عضو مجلس بلدية بيروت، يبقى البحث عن إسم الوزير الثاني الذي قد يكون كاثوليكياً أو أرثوذكسياً توافقياً، وأي طرف سيُسمّيه والى أي كفّة سيميل داخل الحكومة.

هذا واستجدّت عقدة جديدة حول إسم وزير الداخلية والبلديات الذي اقترحه ميقاتي وهو القاضي المتقاعد بسّام المولوي، مع إمكانية استبداله باسم آخر.

وذكرت الأوساط نفسها بأنّ ميقاتي هو الشخص الثالث الذي يتمّ تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة بعد سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري.. ولهذا على هذه المرّة أن تكون «الثالثة ثابتة»، على ما يُقال، ويتمّ إعلان الحكومة في أسرع وقت ممكن. أمّا في حال الفشل في التشكيل، فهذا يعني بأنّ الطبقة السياسية الحالية فاشلة فعلاً ولا يجب عليها البقاء بالتالي في السلطة، بل على الناخبين تغييرها في صناديق الإقتراع في الربيع المقبل، كونها لم تتمكّن منذ استقالة حكومة حسّان دياب منذ أكثر من عام، من التوافق لتشكيل حكومة إنقاذية فاعلة تقوم بالإصلاحات الضرورية المطلوبة منها من الداخل والخارج.