كثيراً ما قارنا بين اللوجيرغا الأفغانية (مجمع القبائل) واللوياجيرغا اللبنانية (مجمع الطوائف). في الحالتين تركيبة هجينة للدولة التي، دوماً، على حافة الانفجار...

الآن، دولة من طراز آخر في أفغانستان. حتى الذين يقولون بتطبيق الشريعة (غالباً شريعة الغاب)، وحيث تأويل النص القرآني حينا بالأظافر، وحيناً بالخناجر، ينتمون، في غالبيتهم، الى قبائل البلوش.

حكومة تصريف الأعمال، الحكومة الانتقالية، المؤلفة من 33 عضواً جلهم من «طالبان»، تضم 15 عضواً من مدينة قندهار وحدها، باعتبارها مهد الحركة، اضافة الى 6 أعضاء من الولايات الجنوبية المجاورة، ودون أي اعتبار لا للكوكتيل القبلي ولا للكوكتيل السياسي.

قادة «الامارة»، كون أفغانستان ولاية من ولايات دولة الخلافة التي لا بد من ظهورها كمدخل ليوم القيامة، تبعاً  لمؤسس الحركة الملاّ عمر، يرون أن  مهمة هذه الدولة  تقويض الأمبراطوريات الكبرى لتكون المقابر الكبرى.

ذبيح الله مجاهد، الناطق باسم السلطة الجديدة  أعلن، رداً على سؤال، أن بلاده لا تعترف ب «اسرائيل»، ولا تنتظر اعترافها بالامارة. حتى اللحظة، كلام فولكلوري، بعدما لاحظنا أن الفصائل الراديكالية الأخرى، بما فيه «تنظيم الدولة الاسلامية» (داعش)، لم تأت، يوماً، على ذكر «اسرائيل»، ولم ترشقها حتى بحجر، ما دامت صنيعة أجهزة الاستخبارات بأنواعها، حتى أن جوزف برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، تحدث عن «اللحى التي صنعناها بأيدينا»...!

المفارقة هنا أن «اسرائيل» التي تتوجس من أن يفضي قيام نظام ايديولوجي في أفغانستان الى اشاعة الفوضى السوسيولوجية في البلدان العربية الحليفة، ترى أن تأثير امارة هبة الله أخوندزاده سيكون جليّاً على لبنان، بذريعة أن ايران، الغاضبة من استئثار «طالبان» بالسلطة، لا بد أن تشهد تراجعاً دراماتيكياً على المستوى الجيوسياسي كون الحركة، وبالرغم من التصريحات البراغماتية  لبعض قادتها، السكين في الخاصرة الايرانية...

الاستئثار بالسلطة منطق العديد من دعاة الاسلام السياسي. هنا الشراهة الهيستيرية للحكم، وحيث النموذج الصارخ في مصر. دور «الاخوان المسلمين» كان هامشياً في الانتفاضة على حكم حسني مبارك، لكنهم خططوا بدقة للافادة من تبعثر القوى الأساسية، والانقضاض على السلطة، دون أن يكون هناك من مكان للآخر.

هذا ما حمل بعض الكتاب الليبراليين على التساؤل ما اذا كان حسن البنا «الابن الأكبر للقرآن»، كما وصفه مرشد الجماعة محمد بديع، أم «الابن الأكبر للتوراة».

ثمة قوى محلية وعربية مناوئة لـحزب الله، ناهيك عن «اسرائيل» بطبيعة الحال، اذ كثفت حملتها ضد الحزب، وبصورة لافتة في الآونة الأخيرة، راحت تشيع بأنه، وعلى خطى «طالبان»، سيكرر التجربة الأفغانية في لبنان الذي تحللت فيه الدولة. عملية تشكيل الحكومة ليست أكثر من ملهاة للذهاب بالدولة، وحتى بمؤسساتها الحساسة، الى الموت النهائي.

هؤلاء الذين يعلمون أن «طالبان» صناعة، وصنيعة، أميركية لحماية أنابيب الغاز التي تتجه من تركمانستان الى المحيط الهندي، في حين أن حزب الله قام، وترعرع، لاجتثاث الاحتلال الاسرائيلي لأجزاء حيوية من لبنان، وهو ما تحقق فعلاً، وما جعل الأميركيين يفرضون الحصار الجهنمي عليه بعد تصنيفه منظمة ارهابية. القتال ضد «اسرائيل» بالدم لا بالحمام الزاجل!

هذا فضلاً أن قيادة الحزب التي يعنيها وجود دولة قادرة في لبنان، لا الدولة المحظية، أو الدولة ـ القهرمانة، هي ابنة هذه الأرض، وتدرك حساسية التشكيل الفسيفسائي للبنان، ان على المستوى السياسي، أو على المستوى الطائفي، ولا يمكن لها أن تفكر بالاستيلاء على السلطة مهما بلغت قوتها السياسية أو العسكرية.

أي فئة، أو أي قوة، تحاول ذلك لا بد أن تؤول الى الانتحار. استطراداً، لا «طالبان» في لبنان. الصواريخ موجهة الى «اسرائيل» تحديداً، لا الى أي مكان آخر، وان كان معلوماً وجود قيادات، وأحزاب، جاهزة للتعامل حتى مع الشيطان من أجل ازالة ظاهرة المقاومة والدخول في المتاهة الديبلوماسية.

من السذاجة بمكان التكهن بطبيعة التداعيات الأفغانية على بلدان المنطقة، ولكن ألم يقل المعلق الأميركي ديفيد اغناثيوس، القريب من نجوم «الدولة العميقة»، أن ثمة عروشاً بدأت بالاهتزاز في الشرق الأوسط؟!