يتواصل مسار تشكيل الحكومة بين الوسطاء من دون التوصّل الى التوافق على حقيبة الإقتصاد التي سيكون لها الأهمية الكبرى خلال المرحلة المقبلة من خلال عملية التفاوض مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدول المانحة ولهذا يُصرّ الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي بالحصول عليها لكي يكون من ضمن سلّة الوزراء المفاوضين في هذا الإطار. ويتزامن استمرار التشاور من دون بوادر أمل محلية، مع الضغط الذي يمارسه الإتحاد الأوروبي من خلال وفديه السياسي والعسكري اللذين زارا لبنان خلال هذا الأسبوع والتقيا المسؤولين اللبنانيين، وشدّدا على ضرورة الإسراع في تأليف الحكومة لكي يتمكّن المجتمع الدولي من تقديم الدعم للبنان، فضلاً عن إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها.

غير أنّ أكثر ما جرى التشديد عليه خلال محادثات وفدي الإتحاد الأوروبي مع المسؤولين، على ما تقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة، الى جانب المطالب السياسية، هو ضرورة الحفاظ على الإستقرار الأمني في البلاد الذي من شأنه أن ينعكس على المنطقة ككلّ. ويرى الإتحاد بأنّه مع انهيار الوضع الإقتصادي والمالي والمعيشي وتأثيره سلباً على الطبقات الإجتماعية في لبنان التي بلغت نسبة الفقر في صفوفها جرّاء الأزمة الخانقة نحو 80 %، يُخشى من أن يشهد البلد انفجاراً إجتماعياً خلال الأسابيع المقبلة، قد يستغلّه «الطابور الخامس» لتوتير الوضع الأمني فيه.

ولهذا أكّد رئيس اللجنة العسكرية في الإتحاد الأوروبي الجنرال كلاوديو غراتسيانو، والذي سبق تولّى قيادة «اليونيفيل» في لبنان بين عامي 200 و2010، خلال لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على أهمية استمرار الإستقرار في لبنان عموماً، وفي المنطقة الجنوبية خصوصاً. وأبدى استعداد الإتحاد لتقديم المزيد من الدعم للجيش اللبناني وللبنان، في ظلّ الظروف الصعبة التي يمرّ بها البلد، شرط تشكيل الحكومة والحفاظ على الإستقرار الداخلي، كما على الجبهة الجنوبية مع العدو الإسرائيلي.

وأشارت الأوساط نفسها الى أنّ الإتحاد الأوروبي يلتقي مع الولايات المتحدة الأميركية التي تضغط من أجل تشكيل حكومة إنقاذية، قادرة على إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، غير أنّها لا تزال تنتظر ما ستؤول اليه التسوية التي يجريها مع إيران. ولهذا ربّما وقع الخيار على الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي الذي جاء بـ «ضمانات خارجية»، على ما أعلن فور تكليفه، كونه سبق وأن شكّل حكومة مؤقتّة، كانت حكومته الأولى وذلك من 19 نيسان الى 19 تمّوز من العام 2005 بعد استقالة الرئيس عمر كرامي بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وقد تمكّنت آنذاك من إدارة الدولة حتى إجراء الإنتخابات النيابية، وحافظة على الحيادية المطلوبة.

ولكن ما يعرقل ولادة الحكومة اليوم، على ما لفتت الاوساط، ليس عدم التوافق على وزارة الإقتصاد، ومحاولة كلّ طرف سياسي شدّها الى حصّته، بل على: مَن يؤلّف الحكومة حالياً وهل يحصل هذا الأمر بمشاركة الجميع باستثناء رئيس الجمهورية، ومن سيحكم البلاد بالتالي خلال المرحلة المقبلة؟ كما تتوقّف على ضرورة تقديم التنازلات من قبل جميع الأطراف من أجل مصلحة لبنان والشعب اللبناني، هذا الأمر الذي لا يحصل حتى الآن.

وفيما يتعلّق بما يُقال إنّ السعودية لا تزال تُمارس «الفيتو» على تكليف ميقاتي، على غرار ما فعلته مع الحريري، ما من شأنه دفع الرجل الى الإحتفاظ بورقة التكليف في جيبه لأشهر قبل الإقدام على الإعتذار، اعتبرت الأوساط عينها أنّ لا «فيتو» على ميقاتي، وإلّا لما جرى تكليفه وبضمانات خارجية على ما قال، كذلك فإنّ القرار في تشكيل الحكومة اليوم ليس للسعودية، كما أنّها تُحاول تحسين علاقاتها مع إيران لتأمين مصالحها في دول المنطقة.

في المقابل، ألمحت الاوساط الى أنّ ما قاله رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل عن أنّ للإتحاد مصالح مشتركة مع إيران بشأن القضايا الدولية بما في ذلك التطوّرات في أفغانستان، إنّما يدلّ أيضاً على أنّه بين الدول الأوروبية وإيران مصالح مشتركة في لبنان والمنطقة. ولهذا تجري المباحثات من أجل تأمين هذه المصالح، وإن جاءت على حساب لبنان، غير أنّ تشكيل الحكومة من شأنه تعزيز موقف لبنان في أي تسويات مقبلة، وقد أصبحت قريبة جداً.

وعقّبت الاوساط بأنّ التشكيلة الحكومية كانت جاهزة منذ شهر تقريباً، ولو كانت هناك نوايا لإعلانها لكان حصل هذا الأمر. غير أنّه منذ توقّف اللقاءات بين الرئيس عون وميقاتي، ودخول الوسطاء على خط تأليف الحكومة، تبيّن أنّ ولادة الحكومة متعثّرة، وباتت تحتاج الى تدخّلات داخلية وضغوطات خارجية. وحتى هذه الأخيرة لم تنجح بعد في إيصال الحكومة الى السنتيمترات الأخيرة، لأنّ ثمّة ما يزال ناقصاً على صعيد التسويات في المنطقة ككلّ.

وبرأي الاوساط، إنّ الإندفاعة الأميركية والتي واكبتها وفود الإتحاد الأوروبي لإجراء المحادثات مع المسؤولين في لبنان بهدف تسريع تشكيل الحكومة، لم تنجح في الضغط الكافي عليهم. ولهذا تقفز المطالب من الحكومة الى إجراء الإنتخابات النيابية، وأخيراً الى ضرورة الحفاظ على الإستقرار الداخلي، هذا المطلب الذي كان أولوية بالنسبة لدول الخارج خلال الفترة السابقة.

وأكّدت الأوساط عينها، بأنّ هذا الإستقرار بات عاملاً أساسياً اليوم في لبنان والمنطقة، سيما وأنّ الوضع ممكن أن يُصبح بشكل سريع خارج إطار السيطرة، في حال بقيت حكومة تصريف الأعمال في مكانها، ولم تؤدّ لا الإتصالات ولا الضغوطات الى تشكيل حكومة جديدة في المدى المنظور. كذلك فمنذ الآن وحتى موعد إجراء الإنتخابات النبيابية المقبلة في 8 أيّار من العام المقبل، لا يبقى سوى ثمانية أشهر، ولهذا فإنّ تشكيل الحكومة اليوم قبل الغد سيجعل منها حكومة إنتخابات قبل أي أمر آخر، في حين أنّ المطلوب منها وبإلحاح، أن تقوم بوضع خارطة الطريق الإنقاذية على سكّة التنفيذ قبل مواكبة الإنتخابات المقبلة.