هل كان أبو يعرب أو أبو عبده، وهل كان أبو الزعيم أو أبو الجماجم أو أبو الهول أشد هولاً من آباء الجمهورية الثانية، وقد انتقلوا بنا من ثقافة الأرجوان الى ثقافة الصفيح، ومن ثقافة الاشعاع الى ثقافة الطنابر؟

أمّا وقد وصفنا دانتي في «الكوميديا الالهية» بالقول «رأيت في أروقة الجحيم أناساً لا يعيشون ولا يموتون»، من في متحف الشمع هذا من هو بقامة كونراد اديناور الذي خاطب مواطنيه بعدما تحولت برلين الى ركام «لندع التاريخ للتاريخ. هاجسنا الآن عبقرية الآتي لا عبقرية الماضي»؟

ومن هو بقامة مهاتير محمد الذي أخرج بلاده من ليل السلاطين، وليل الاتنيات، وقال لبني قومه «لا أعدكم بالانتقال بكم الى المريخ . أعدكم بأن أجعل من ماليزيا دولة للحياة» ؟

ومن هو بقامة ونستون تشرشل الذي قال للانكليز، وكانت قنابل الفوهرر تنهمر على رؤوسهم «لم يعد يعنيني فائض التاريخ، ولا فائض الجغرافيا. ما يعنيني، في هذه اللحظة، فائض الأمل»؟

ماذا فعل بنا تماثيل الشمع سوى أنهم حوّلونا الى فقاعات بشرية، فقاعات طائفية. هياكل عظمية وتلهث وراء الفتات ؟ فتات الأبراج العالية، القبور العالية، وحيث يقبع أساقفة الخراب...

نحن الذين قهرنا القوة التي لاتقهر، لم نعرف هذا المستوى من القهر، وهذا المستوى من العوز، وهذا المستوى من العار، ان في زمن ياسر عرفات، أو في زمن غازي كنعان. أي احتلال يجثم الآن على ظهورنا؟

وكيف لنا أن نعثر على من يرفع الراية، وينفخ في الأبواق، ويقرع الطبول، لاجتثاث هذا الاحتلال ؟ لا أحد هناك. «ثورة 17 تشرين» قرقعة على الطناجر.

اذاً، لننتظر القضاء والقدر، أو لنتظر توافقاً دولياً، واقليمياً، الأمر المستبعد كلياً في الوقت الحاضر، على هوية القوة التي ستحملنا الى وثيقة طائف أخرى، أي الى فضيحة دستورية، وفضيحة سياسية، أخرى، وتضعنا، ثانية، في مهب الحرائق.

قلنا حرب الحقائب لكأنها حرب طروادة . جنرالات «الفانتازيا» اللبنانية أم زبانية «التراجيديا» اللبنانية ؟ فارق شاسع بين «الفانتازيا» و»التراجيديا»، حتى اذا ما دقت ساعة القيامة، وظهر الدخان الأبيض في القصر، ماذا يمكن أن يتغير اذا كان الوزراء الدمى، وبمنطق المحاصصة و.... التفاهة ؟

لا يمكن للجمهورية الثالثة أن تولد، ولو من الخاصرة، على أيدي أصحاب الأيدي الخشبية، وأصحاب الأدمغة الخشبية . لم نعد شيئاً في يوميات العالم . واشنطن تبعث بروبرت مالي، الديبلوماسي المحنك، الى موسكو وباريس من أجل اقناع آيات الله بالعودة الى مفاوضات فيينا . هذا ما يثير عصبية زعيم سياسي، صديق لواشنطن، ليسأل « ألا نستحق نحن مبعوثاً أميركياً ولو بمواصفات... غوار الطوشي»؟

لا دولة في لبنان، اذا تسنى لكم أن تقرأوا ما يكتب في الصحف الغربية الكبرى. هؤلاء العالقون في السلطة، اذا كان هناك من أثر للسلطة (في زحلة لا وجود لنسخ عن اخراجات القيد، وثمة في البقاع من يدعو الى اقامة دولة مستقلة). ليسوا أكثر من أوان فارغة، أطباق فارغة، بقرقعتها اليومية على الشاشات.

خبير في صندوق النقد الدولي ضحك كثيراً حين قيل له ان صراع الحقائب بين رئيس الجمهورية، ومن وراءه، والرئيس المكلف، ومن وراءه، يتمحور حول من  يتفاوض مع الصندوق. قال «شروطنا، وحلولنا جاهزة، ولا داعي للمفاوضات من أجل المضي في اضاعة الوقت. ولا أعتقد أنه سيكون باستطاعتنا تعويم الطبقة السياسية لأننا لا نمتلك صلاحيات احياء الموتى» !!

هذا الكلام الذي يعكس واقع الحال، ويظهر الى أي مدى أولياء أمرنا منفصلون عن الواقع، يعني أننا سنكون تحت الوصاية الأبدية لصندوق النقد الدولي. لا شيء هناك يدعى رئيس الجمهورية، ولا شيء هناك يدعى رئيس الحكومة. بمعنى آخر دولة كريستالينا جورجيفا لا دولة هنري غورو.

حرب طروادة عندنا بصهيل السلاحف لا بصهيل الخيول. «فانتازيا» لبنانية أم «تراجيديا» لبنانية؟ هذه هي المسألة يا سيدتي المركيزة...!