عندما انتهت العراقيل الخارجية التي كانت تُعيق تشكيل حكومة لبنانية، ودخل رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بشكل مباشر على خطّ التأليف بعد أن كان يقف خلف رئيس الجمهورية ميشال عون في كل المراحل السابقة، أبصرت الحكومة النور بوجود ثلث معطل مقنّع لكل الأفرقاء فيها، ولكن هذا الثلث لن يكون ثلثاً صدامياً، فكل الوزراء الذين يمكن أن يلعبوا دور الوزير التاسع لأي فريق هم من الوزراء الوسطيين الذين يملكون علاقات جيدة مع مختلف الأفرقاء السياسيين المشاركين بالحكومة، وهذا الأمر كان السبب الأساسي لولادتها، وسيحكم عملها طيلة الفترة المقبلة.

في البداية، لم يعد ينفع التيار الوطني الحر بياناته السياسية التي تؤكد عدم مشاركته بالحكومة، فالتيار في صلبها وأسماء وزراء رئيس الجمهورية وصلوا بمباركة باسيل الشخصية، وآخرهم وليد نصّار ونجلا رياشي، زوجة السفير بطرس عساكر، وهذا الأمر بحسب مصادر نيابية متابعة سينعكس على «الثقة» التي يُفترض ان يعطيها تكتل «لبنان القوي» للحكومة، بعد إعداد بيانها الوزاري، والذي يفترض أن ينتهي إعداده قبل نهاية شهر أيلول.

لم يكن ممكناً للتيار الوطني الحر، أن يستمر بمعاكسة الرياح الإقليمية والدولية، لذلك كان الأساس هو الوصول الى تسوية داخلية تستفيد من التسويات الخارجية، وآخرها تلك التي قامت بين إيران وباريس، على خلفية العقد الكبير الذي وقعته شركة توتال الفرنسية في العراق، وهو الذي يؤكد وجود تفويض أميركي لباريس للعمل في الإقليم.

إن كل هذه التغيرات ساهمت بتسريع الوصول الى حكومة، يُفترض أن تعمل وفق التسوية التي رُسمت بين عون وميقاتي، وستحصل على دعم من أكثر من مكان، عربي ودولي، خاصة بعد الكلام العلني الاميركي عن دعم هذه الحكومة، وهو كلام لم يسمعه اللبنانيون منذ عقد من الزمن تقريباً.

إن نظرة سريعة على أسماء الوزراء وخلفياتهم تُظهر بوضوح العناوين الرئيسية التي ستعمل عليها الحكومة، إذ تلفت المصادر النظر إلى أن اختيار الأسماء كان دقيقاً جداً، وينسجم بشكل كامل مع المبادرة الفرنسية، على عكس ما يحاول البعض الإيحاء، لان المبادرة الفرنسية لم تتحدث يوماً عن عدم مشاركة الكتل النيابية بالتسميات، وشددت على الإختصاص وهو ما تحمله هذه الحكومة.

ترى المصادر أن البيان الوزاري للحكومة سيكون مختصراً، وسيتحدث بشكل أساسي عن فرملة الإنهيار، ووضع الأسس للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، علماً أن شروط صندوق النقد لأي تفاوض قد طُبقت بشكل تدريجي خلال الأشهر الماضية ومنها رفع الدعم وتحرير سعر صرف العملة، الذي وإن لم يصبح رسمياً بعد إلا أنه أصبح امراً واقعاً يُعمل به في كل المجالات.

بالنسبة الى المصادر فإن الوزراء الذين استلموا وزارات على علاقة بالتفاوض مع صندوق النقد لهم علاقات مالية واقتصادية ممتازة مع المؤسسات الدولية، وهذا الأمر سينعكس على مسار التفاوض، مشيرة الى أن أحداً لا يتوقع من الحكومة الحالية ان تصل الى اتفاق مع صندوق النقد، إلا أنها ستنجح بوضع أسس الإتفاق الذي يُفترض ان تنجزه حكومة ما بعد الإنتخابات.

أخيراً، إن الإمتحان الأبرز أمام الحكومة هو العلاقة مع الدول الخليجية، وهنا سيكون أمامها عمل كبير، رغم أن الأميركيين قدموا الوعود بأن الحكومة ستحصل على مساعدات عربية إن احترمت بتشكيلها الضوابط الدولية، وهو ما حصل وما يعبر عنه الأميركيون في تصريحاتهم.