ينتظر مجلس الوزراء الجديد جبال من المطالب المحقّة على كافة المستويات، فجميع اللبنانيين المقيمين والمنتشرين ترقبوا على مدى اكثر من سنة تشكيل هذه الحكومة، المسمّاة حكومة الانقاذ. حتى المجتمع الدولي كان ايضاً ضاغطاً جداً لتشكيلها وهذا ما يؤكد حرص الآخرين على هذا الوطن اكثر من ابنائه!

اذاً على رئيس مجلس الوزراء والورزاء مسؤوليات كثيرة ومتشعبة اذ إن إرث الانهيار كبير ووزر الازمات المتتالية ثقيل جداً.

لن ادخل في الاسباب ولا في الظروف التي اودت بنا الى قعر جهنم ولن ادخل حتى في التحاليل الاستراتيجية والاقليمية ان كانت هناك مؤامرة اولا، كل ما اريد ذكره هو هل نقدر نحن كشعب وحكومة ان ننهض من هذه الكبوة؟

هل ممكن استعادة الحياة الطبيعية؟ هل ممكن ايجاد بداية جديدة؟ كيف للبنانيين الذين عانوا ما عانوه خلال السنتين المنصرمتين ان ينفضوا غبار الالم والفقر والذل؟

هل يمكن لشعب عاش الانكسار ان يعود ويحقق الانتصار؟ هل لطير الفينيق نخوة الولادة من جديد من رماد احتراق جسده؟

على مرّ العصور نرى كيف ان العديد من الامم والدول والمجتمعات التي عانت ودمرت، عادت ونفضت الغبار عنها ونهضت وبلغت القمة من جديد، والمثال على ذلك ليس ببعيد، اذ إن الامم الاوروبية والآسيوية التي انغمست في الحربين العالميتين في القرن المنصرم غدت اليوم، بعزم ابنائها وحكمة ساستها وهمة عمالها، في الصفوف الأولى في الصناعة والتجارة والعلوم والتكنولوجيا.

هنا أقدر ان اقول، مهما اتسعت دائرة الظلام ومهما اشتدت الازمة وضاق بنا السبيل وانسدّ الأفق، يبقى هناك في الشفق البعيد دائرة من النور تلوح لنا. هذا النور هو حقيقي بل اكثر هو سرمدي، هو نور الله عزَ وجلَ.

لن نقدر ان نتنعّم به ان بقينا في ظلمتنا وافكارنا السوداء ولا حتى ان نراه ان سلكنا دروب اليأس وسبل القنوط القاتل.

من هنا يبدأ المشوار، مشوار رئيس البلاد ورئيس مجلس الوزراء والوزراء والشعب. وهنا يسعنا القول: هل نحن قادرون ان نبدأ من جديد؟ هل هناك بدايات تلوح في الأفق؟ نعم والف نعم، نحن نقدر ان ننطلق من جديد بقوة الله المعطاة لنا جميعاً، رجاؤنا مؤكد وبمقدورنا ان نقوم وننهض ونبني معاً.

الكل مسؤول ولكل منا مهامه، ان قام بها حسب مشيئة الخالق يكون قد ساهم في اعادة الاعمار والترميم.

من هنا جاء عنوان المقال، وللرئيس ميقاتي يعود القسم الأكبر في ايجاد الحلول عبر تحييد كل الوزارات عن المحاصصات والزبائنية الحزبية وعن زواريب الطوائف وعن دهاليز المصالح الشخصية واهدافها غير الوطنية.

الدمار والفساد والانحلال والانحطاط يسود البلاد فكل شيء بحاجة الى ترميم واعادة النظر به، فهل يقدرهذا الرجل ان يُصلح ما افسده الزمن ورجاله؟

مما لا شك فيه ان الذي وصلنا اليه، حصل ويحصل دائماً في فترات من الزمن عبر العصور في كل البلدان فهناك حقبات يكون فيها التخبط قويا ومدمّرا ومحبطا، لكن المهم ألا نفقد قوتنا ومناعتنا الداخلية الذاتية ولا ايماننا بأنفسنا ولا حبنا لوطننا ولا ثقتنا بالله.

يمكننا، ودائماً بمعونة الرب، ان ننطلق من جديد، دون جلد انفسنا ودون اختلاق المطبات ولا جدران الكيد السياسي.

أي دولة او مجتمع يمرّ بما نمرّ به عليه في البدء ان يمتصّ الصدمة، وهذا ما قد حصل، ومن ثم عليه ان يجلس ويفكر بعمق ويناقش ويجترح حلولاً انطلاقا ًمن المقومات المتبقية له، ولو حتى ضئيلة، عليه ان يبدأ من جديد. لا نريد ان نفقد الثقة بالنفس، فبفقدان الثقة بالنفس نفقد الطاقة والعزيمة ونفقد الأمل بالعودة.

الرب اعطانا قوة في داخلنا، علينا الانتباه الى النواحي النفسية والروحية والسيكولوجية كيلا نقع في الفشل القاتل.

على المستوى الوطني، لدينا الكثير للانطلاق مجدداً، لكن يجب حسن ادارته مع الاشخاص المناسبين.

الوزارات مسؤولة عن رسم السياسات العامة لبناء الوطن، نحن هنا وللاسف نسأل عن السياسات التي ترمّم هذا الوطن.

لا نريد ترقيعاً بل نريد اعادة اعمار ما قد هدمناه وايضاً اصلاح ما قد عبثت ايادينا به.

من هنا المسؤوليات كبيرة على هذه الحكومة على كافة الأصعدة. فلنشمر عن سواعدنا ونبدأ بالعمل.

المطلوب كبير جداً فمن واجبات الحكومة العتيدة أن تضع خطة علمية واستراتيجية للانقاذ، تبدأ بايجاد حلول اقتصادية سريعة بالتنسيق مع المجتمع الدولي المانح وتأمين السيولة اللازمة لحل مشاكل الفيول للكهرباء والمازوت للمعامل والمصانع والمستشفيات وبالعملة الصعبة. وأيضاً لمنع الاحتكار وتأمين الغذاء والدواء لكافة الشعب اللبناني.

وللعام الدراسي القادم حصة الأسد. اذا من العار علينا أن نفقد عاماً دراسياً ثالثاً، فمستقبل أجيالنا على المحك. ولأننا بالتربية نبني، على الوزارات المعنية المبادرة وبسرعة لوضع خطة طارئة قابلة للتنفيذ تبدأ بالعودة الحضورية على أسس تؤمن العلم والثقافة لطلابنا وتنصف الطواقم التعليمية اذ لا يجوز أن نبدأ عاماً دراسياً متعثراً ومهيناً للمعلم والطالب وأهله على حد سواء.

على عاتق هذه الحكومة قرارات اقليمية واستراتيجية دقيقة تبدأ بموضوع النزوح السوري الخانق لاقتصادنا مروراً بترميم العلاقات الديبلوماسية مع الدول الخليجية وصولاً الى ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائيلي واستخراج النفط والغاز.

على هذه الحكومة أيضاً التحضير للانتخابات النيابية المقبلة بالتوازي مع الانتخابات البلدية. فعليها أن تعمل لانتاج سلطة جديدة قوامها الشفافية والنزاهة والعدل وخدمة المجتمع!

في الختام، أدعوك يا دولة الرئيس ميقاتي أن تكون مهندساً ماهراً وقاضياً نزيهاً وجندياً مخلصاً ومعلماً كفوءاً وطبيباً خلوقاً وعطاراً بارعاً يصلح ما قد أفسده الدهر.

دولة الرئيس الاسراع في العطاء يعني العطاء مرتين.