فلو كنتم فاشلين وتافهين ومتخلّفين ولا تحرزون تقدماً، لما أصرَّ العدو على الدخول معكم في مثل هذا الصراع، فالعدو يرى أنكم تسيرون إلى الأمام. (الخامنئي)

لقد ظهر اللبنانيون في هذا الفصل من عمر كيانهم في معرض التضاؤل والخضوع إلى تهديدات تعود في مجملها إلى أسباب مرتبطة بميكانيكية العمل الطائفي والحزبي. كل هذه الخسائر والهزائم انحدرت من أسبابها الطبيعية الضرورية القوية. والأداء الذي رأيناه ونستمر في مشاهدة تنويعاته جعل الحرب تظهر في كل مكان، ما أشعر اللبنانيين بشيء بشع يحترق في داخلهم وأنّ أمنياتهم العنيدة تتحجر كالدموع في المآقي. الفخ واضح إلى حدّ مفزع، إنها تلك الطبقة الخاصة التي تشتمك وتهينك وتسلخ جلدك وتريدك أن تصفق لها على الدوام. كلما جاء استحقاق جديد ظن اللبنانيون أنّ اللحظة حانت ليتنفسوا حرية وكرامة وسيادة ليكتشفوا بعد وقت قصير أنّ الفساد بكل مظاهره السياسية والاقتصادية والثقافية له أعمدة راسخة متخمرة، ثم يغدو أكثر استفزازاً عندما يظل يدور كدابّة الساقية. ولكن من حسن حظنا أنّ مسرح الحرب غير مغلق بالكامل وإلا لاستطاع العدو أن يحسم بنفسه أو عبر أدواته مستفيداً من هذا الوضع المضطرب لتحقيق نتيجة كبيرة ونهائية. ومن حسن حظنا أنّ مجتمعنا لم يخلُ من الشرفاء والمقاومين والمناضلين في كل الساحات. ومن حسن حظنا أنّ أيامنا ليست صفراء من القضايا الإنسانية والوطنية والقومية وإلا صارت مقفرة فقيرة مملّة جدباء لا روح فيها. البقاء في ساحة المعركة وليس أمام شرفة بعيدة ليس بلاهة كما يروّج أولئك الذين يقدرون على الإفلات من مشاعرهم وترك قضاياهم تنزلق منهم كالزئبق ثم الهروب من وطنهم بجواز سفر. أصحاب النفوس المائعة يتعبهم طول الطريق ويكرهون الانتظار والمخاض ويتهكمون على أي فكرة يطرحها الأمين العام لحزب الله أو غيره حول الزراعة والصناعة وإعادة تفعيل القطاعات الانتاجية. وآخر تهكماتهم ما يرتبط بالبواخر الإيرانية لجعل الشعب اللبناني يائساً من مستقبل جهاده ودفاعه. هدف العدو وإعلامه التشكيك ونشر الشائعات والأكاذيب وإفقاد القوى الوطنية الثقة بجدوى أي إجراء قد تلجأ إليه، والعدو من خلال أبواقه الناشطة بقوة يريد إحباط أمل الناس وتحويلهم إلى كتلة ميتة ليتمكن بعد ذلك وبسهولة من أن يرسم لهم مستقبلهم ويفرض عليهم خياراته.

من هنا تأتي تجربة المقاومة مع الحصار والعقوبات الأميركية وكل ما رافقها من ضغوط سياسية واقتصادية محلية غنية بالعبر والنتائج، ومراقبة أداء الأمين العام يُظهر استخدامه الأساليب والتدابير التالية:

أولاً: تعطيل الانقضاض العام للعدو ومنعه من مراكمة الصعوبات على جسم المقاومة.

ثانياً: إبعاد بيئة المقاومة المباشرة بعداً نسبياً كافياً كي لا تتعرض لخسائر أكبر مما آلت إليه الأوضاع على عامة الشعب اللبناني وأيضاً كي لا تكون معرضة لتطويقٍ بالتقسيم أو الحرب الأهلية يعمد إليهما العدو في محاولة التفاف عبر الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

ثالثاً: اعتماد المطاردة السياسية مع خصوم الداخل بحثّهم على التقيّد بالاستحقاقات الدستورية والقانونية وضرورة التزامهم بإجراءات فعّالة، والاستراتيجية مع الخارج خصوصاً فيما يتعلق بالوضع الإسرائيلي والتهديد بتوسّع الصراع إلى حرب إقليمية.

رابعاً: تفكيك الحملات الإعلامية والنفسية عبر إطلالات متواصلة تُقدّم عبرها الحجج والأدلة المتعلقة بطبيعة الحرب وأبعادها ووسائلها وحجم تأثيرها وكيفية الرد عليها وماذا يجب العمل على المستوى الوطني للحد منها والتخفيف من تداعياتها.

خامساً: التحضير لضربة معاكسة (السفن الإيرانية) وتحويل المعركة من تكتيكية مع أدوات أميركا في الداخل إلى معركة استراتيجية على مستوى الإقليم. واستخدام هذا الشكل الهجومي إذا لم يكن من أجل دفع العدو ليرى أن خط تراجعه قد ضعف فإنّه يكفي على الأقل لحماية المدافع (لبنان ومقاومته).

مما لا شك فيه أنّ الأمين العام لحزب الله يدرك أنّ التسلسل المتدرج للترتيب الدفاعي سيعقّد الحسابات على العدو، وعليه فإنّه كلما نقص حجم الحسم أو تأخر بالنسبة إلى العدو ازدادت قدرة قوى المقاومة على استخدام عمليات التفافية. ولو، من جهة أخرى، أنّ الربح الذي تجنيه هذه القوى محلية كانت أو إقليمية لن يكون سريعاً والجهد الذي تقوم به لا يُبحَث فيه عن حسم في زمن وجيز، إلا أنّ الإعاقة وإنقاص قدرة العدو على الهجوم وتيئيسه من الوصول إلى نتائج إيجابية تحت وطأة الإنهاك هو المطلوب في هذه المرحلة. وهكذا سيرى العدو نفسه في وضع سيىء من الناحية المعنوية، وسيجد أنّ الهجوم الاقتصادي سيخفق بسبب صعوبات استمراره وحده بدون أن يكلل بمعركة عسكرية (نقطة الذروة) لا يجد إمكانية خوضها مرة جديدة في المدى المنظور.

المهم أنّ المراقب لأداء الأمين العام لحزب الله سيكتشف أنّه كما خاض حرباً شعبية عسكرية لطرد الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، يخوض اليوم حرباً شعبية اقتصادية لتفكيك العقوبات والحصار وإعادة تفعيل القطاعات الإنتاجية من خلال إجراءات تحفّز الأفراد ليقطعوا الطريق ويعبروا المسافة نحو كرامة العيش. الحرب الشعبية سواء كانت في المجال العسكري أو الاقتصادي هي أداة ثورية عامة يشترك فيها الشعب كل حسب قدرته يقودها شخص أو تقودها قيادة توّلد في الأفراد شجاعة تحطيم كل الحواجز القديمة التي تفرض المهانة على البلد والهوان على المواطنين.

وفي نظرة بسيطة إلى تاريخ المقاومة العسكرية سيجد المرء أنّ المحاولات الأولى كانت محدودة والإمكانات الفنية واللوجستية والعلمية خجولة ولكن بعد ثلاثين عاماً وصلت المقاومة إلى المدى الإقليمي في التأثير وباتت تصنع المعادلات الاستراتيجية. والمطلوب اليوم أن تسري روح المقاومة الاقتصادية في كل مكان، وكما استعاد الشعب اللبناني الأرض من المحتل الإسرائيلي يجب أن يستعيد الدولة من اللصوص والسماسرة الذين يحتلون المرافق ويسيطرون على الثروات ويعطلون مواهب الشباب في الإبداع والإنتاج. هؤلاء مع حُماتهم في الخارج يعادون بقوة استقلال لبنان الاقتصادي. حقدوا على المقاومة العسكرية ويحقدون على المقاومة الاقتصادية وينشرون الأكاذيب والسموم لكي يحرموا لبنان من النهوض وبناء معامله وشق طرقاته واستثمار غازه وزراعة أرضه وتصدير منتجاته. العدو وأدواته مارسوا كل أنواع الخداع على الشعب اللبناني ومنعوه من استخدام وسائل ذكائه ووحدته وأطلقوا شائعاتهم وأضاليلهم ليفرقوا بين اللبنانيين ويحرموهم من مساعدة بعضهم بعضاً ومن تعزيز الاتفاقات مع سوريا ومن التوجه إلى بلدان الشرق لمساعدة لبنان على بناء دولته. لا شك أنّ العدو استغل الواقع الطائفي الرديء وكسل السلطة وغفلتها وضعف أدائها حين تعاملت مع طروحات الأمين العام الإنقاذية بلامبالاة. بل بدل أن تساعده على رفع الراية الاقتصادية صارت توجّه له اللّكمات في ظهره، فتمتنع عن القبول بأي عروض إيرانية وروسية وصينية وسورية للمساهمة في حل الأزمة، وتراوغ في تشكيل حكومة جديدة، وتتنكر لمسؤولياتها في تخفيف الأعباء فتبرهن بذلك على أنها لا تستحق شرف المسؤولية والنصر. ولأن الأمين العام ما زالت أولويته حفظ لبنان وشعبه وهذه المقاومة النبيلة جهد لمنع العدو من بث الاضطراب الاقتصادي والاستثمار في اليأس وسعى خلال الفترة الماضية للمساهمة في جلاء الأفاق أمام الشعب اللبناني وتوسيع دائرة الأمل والمعالجات لتشمل قطاعات متعددة، بل أكثر من ذلك إنّ ما يؤسسه هو بحق انعطافة اقتصادية واستراتيجية للبنان ودول محور المقاومة المحاصرة بالعقوبات.

يقال إنّ المرء لا يتعلم شيئاً بالوقوف ساكناً. فها هي المقاومة تكتسب خبرة جديدة في الميدان الاقتصادي التي ستشكل تدابير وسياسات الأمين العام دفرسواراً في جدار هيمنة السلطة العميقة في لبنان وفي جدار العقوبات الأميركية والغربية على سورية وبلدان وشعوب المنطقة.

السياسة رؤية شجاعة لتحقيق حلم الإنسان بالعدالة، وهي قيادة المجتمع للخروج من حالة الضعف والتصورات المتشائمة إلى الحيوية والابتكار وتحقيق التقدم وعدم الاستسلام للتعب. لذلك ما يقوم به الأمين العام من ملحمة اقتصادية في وجه كسر الحصار الأميركي عن لبنان بمساعدة دول محور المقاومة وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمبادرتها الشجاعة في نقل سفن المساعدات إلى لبنان، وما يضطلع به من دور كبير في كسر هيمنة المستعمر في التحكم في مصائر شعوب المنطقة ذكّرني بجملة للمجاهد الليبي عمر المختار عندما قال للمحتل الإيطالي:» وقفنا ضدكم لعشرين سنة، وإن شاء الله نحن باقون معكم إلى نهايتكم» !