وجه القوميون الاجتماعيون رسالة مفتوحة الى الرئيس السوري بشار الاسد جاء فيها: «لقد جرت العادة، منذ عهد والدكم، الطيّب الذكر، الرئيس حافظ الأسد، أن نتوجّه، أفراداً ومسؤولين ومثقفين، عند كل منعطف خطير يتهدّد بلادهم السورية، أو يُلحق الأذى بحزبهم- الحزب السوري القومي الإجتماعي- إلى القيادة السورية في دمشق، حاملين إليها رأياً أو موقفاً أو اقتراحاً قد يساعد في مواجهة تهديد خارجي، قائم أو محتمل، أو في حلّ مشكل داخلي قد يعرّض الإندماج الإجتماعي إلى التحلل، أو مطالبينها بتدخل أخوي في معالجة أزمة داخلية مزمنة تأخذ بخناق حزبهم، وقد تدخلت القيادة مشكورة، أكثر من مرة!.

السيّد الرئيس نتوجه لسيادتكم، بصفتنا سوريين قوميين إجتماعيين منتدبِين من رفقاء لنا، في الوطن والمهاجر، لإطلاعكم على حقيقة ما يجري في حزبنا- الحزب السوري القومي الإجتماعي- وطلب مساعدتكم في الجهود الرامية لإعادة وحدته، إذ لا معنى، في نظرنا، لوجوده كحزب سياسي وحدوي، وهو منقسم على نفسه إلى مجموعة «أحزاب» تحمل المبادىء نفسها، وترفع الراية نفسها، وتنشد الغاية نفسها: وحدة سورية بحدودها الجغرافية المعروفة، وجبهة عربية واحدة، ونظام دولي جديد يقوم على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصائرها، بصرف النظر عن درجة تقدمها أو تخلفها.

السيّد الرئيس، نحن مجموعة لبنانيين وشاميين وعراقيين وأردنيين وفلسطينيين وكويتيين- بحسب التسميات الجارية منذ اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة- وفينا – كما تعرفون- من هو من أصل آكادي أو حثّي أو آشوري او كنعاني(فينيقي) أو سرياني أو كلداني أو كردي أو شركسي أو تركماني أو أرمني أو أيزيدي أو عربي أو فارسي أو رومي.. الخ. وفينا من هو مسلم محمدي أو مسلم مسيحي أو مسلم موحّد(درزي).. الخ. وفينا من هو نصيري أو علوي أو صابئي أو بهائي.. الخ. نحن هؤلاء جميعاً، وغيرهم كثيرون ، ممن هم من أصول عرقية أخرى، نزلوا في بلادنا غزاة فاتحين أو لاجئين هاربين من اضطهاد أثني أو ديني أو ثقافي في مواطنهم الأصلية، وانصهروا، تدريجياً- على مدى أجيال- في موطنهم الجديد «سورية» وشكلوا جزءاً أساسياً من تكوينها الإجتماعي الثقافي الذي أثبتت التحقيقات العلمية- بما لا يقبل الجدل- اختلاط هذه الأقوام التي انتشرت في سورية الطبيعية كلها وامتزاجها بعضها ببعض حتى نشأت فيها شخصية واحدة جديدة هي الشخصية السورية التي عرفت بمزيجها السلالي المتنوع والمتجانس والغني بالخصائص النفسية العالية. أولئك الأقوام وهؤلاء ونحن، جميعاً، (وقد جبلتنا الحياة الثقافية الإجتماعية الإقتصادية المتشابكة فوق الأديم السوري ومعه، جبلاً، عبر تاريخ طويل، مشكلة من هذه الأصول الكريمة أمة واحدة على امتداد جغرافية سورية الطبيعية) وحّدَنا الحزب السوري القومي الإجتماعي، السيّد الرئيس، في متحد قومي واحد، وجعل من متحدنا الصغير نواة «المجتمع الجديد» الذي يعمل، منذ تأسيسه، لبنائه على كامل الجغرافية الطبيعية في الهلال السوري الخصيب! وهذا هدف عظيم، بل هو أحد أهداف حزبنا الكبرى الذي لم ينشده حزب سياسي آخر، بهذا الكمال والوضوح، منذ عهد بلادنا بالأحزاب السياسية.

السيّد الرئيس، يواجه الحزب السوري القومي الإجتماعي- كما تعرفون- أزمة داخلية مزمنة ناجمة: إما عن انغماسه (غير المبرّر أحياناً) في بعض الحوادث الجارية على الساحة القومية، أو في انجراره (مكرهاً) إلى مستنقعها خدمة لسياسات محليّة وإقليمية. وقد أدّت هذه السياسات (الإعتباطية أحياناً، والمفروضة أحياناً أخرى) التي انتهجتها القيادات الحزبية المتعاقبة، منذ استشهاد سعاده، إلى تفرّد الإنتهازيين بالسلطة، واستئثارهم بالمؤسسات الحزبية التي اعتبرها سعاده «أعظم أعماله» بعد وضعه العقيدة، وتحويلها إلى مجرد منصات للظهور والإستثمار الفردي، كما أدّت السياسات الفئوية إلى انقسام الحزب على نفسه إلى تنظيمين وأكثر، مع أنه حامل لواء الوحدة القومية، الأمر الذي دفع أعداداً هائلة من أعضائه ومناصريه إلى الإنكفاء، بعيداً، وتفرقوا في بلادهم وفي جهات العالم الأربع، ما أدّى إلى تراجع نسبة المقبلين على الحزب، خصوصاً في صفوف الشباب، ما يعني أن الحزب اقترب من حافة الشيخوخة- هذا إذا لم يكن قد بلغها بعد- جراء الإنقطاع العمري الذي يتهدّده على مستوى التعاقب المتتالي والطبيعي للأجيال.

ولكن ما يبعث على الأمل في الإصلاح الداخلي ووجوبه، والوحدة وإمكانية تحققها (وهو ما نسعى إليه)، أن القوميين الإجتماعيين، السيّد الرئيس، لم (ولن) يرضوا بالإنقسام التنظيمي المفروض عليهم فرضاً، ولم (ولن) يقبلوا بالنهاية المفجعة التي يجرّ حزبهم إليها المتسلطون على قيادته ومقدراته، وقد عبّروا (ويعبرّون) باستمرار، بطرق شتّى- دستورية وغير دستورية- عن رفضهم لكل قيادة حاولت جرّ الحزب وزجّه في معارك جانبية تخالف نهجه وعقيدته ومشروعه، ويلقون كل دعم من مواطنيهم الذين يجدون في حزبهم ميّزة يتفرّد بها، وحده، دون سائر الأحزاب في المشرق العربي، ألا وهي ميّزة حضوره الواسع في كل منطقة وكل مدينة وكل حيّ، وتجذره الراسخ في كل أثنية عنصرية وكل طائفة دينية وكل حزبية قبلية، على امتداد الجغرافية السورية، موحداً بينها، جميعها، على اختلاف أصولها ومعتقداتها، ميّزة تعفيه من مساءلات غير بريئة تتعرض لها أحزاب أخرى، في ما يخصّ عقيدتها ومشروعها ورقعة انتشارها وجغرافية حركتها. هذه الخصوصية التي يتميّز بها حزبنا هي خصوصية مكتسبة من طبيعة عقيدته- العقيدة الجامعة - ومن طبيعة استراتيجيته التى يتلاقى فيها- كما سبقت الإشارة- العربي والكردي والسرياني والجركسي والكلداني والآشوري والفينيقي- أو من يظنون أنفسهم كذلك- كما يتلاقى فيها السني والشيعي والعلوي والدرزي والأرثوذكسي والماروني والاسماعيلي والأيزيدي ... إنهم يتلاقون في انتمائهم الواحد الموحّد إلى سورية، وطناً وأمة! .

من هنا، فإن «الحراك القومي» الذي يشهده الوسط القومي الإجتماعي، اليوم، على تعدّد أشكاله ومسمياته، والذي يبحث عن «شرعية» في أوساط القوميين الإجتماعيين التائقين إلى وحدة حزبهم واستعادة دوره الطليعي، في محيطه القومي وعالمه العربي وإقليمه المتوسطي، هو حراك شرعي ومطلوب، وله مبرراته الأخلاقية والفكرية والدستورية.

السيّد الرئيس، تأسّس الحزب السوري القومي الإجتماعي بموجب تعاقد بين الشارع صاحب الدعوة إلى القومية السورية وبين المقبلين على الدعوة، على أن يكون الشارع/ أي سعاده، زعيم الحزب مدى حياته، وعلى أن يكون معتنقو دعوته أعضاء في الحزب يدافعون عن قضيته ويؤيدون زعيمه تأييداً مطلقا في كل قراراته. هذا التعاقد، السيّد الرئيس، متكون من عناصر ثلاثة: 1- سعاده صاحب الدعوة بوصفه طرفاً أول، 2- المقبلون على الدعوة بوصفهم طرفاً ثانياً، 3- القضية السورية بوصفها موضوع التعاقد. ورضي المقبلون على الدعوة بهذا المبدأ دون تردد، وأقسموا، على أساسه، يمين العضوية في الحزب، الأمر الذي منح سعاده سلطات دستورية واسعة مكّنته ومكّنت الحزب، بقيادته، من مواجهة حالتي انشقاق وانحراف شهدهما الحزب، على عهده، عامي 1934و1947وانتصر فيهما الحزب، وتجنّب امتحاناً عسيراً كاد يقضي عليه. ولكن، ما امتلكه الحزب يومها (بوجود المؤسس وصاحب الدعوة)، من عوامل قوة حالت دون انشقاقه، لا يمتلكه، اليوم- للأسف- وهذه هي مصيبتنا! فالمؤسسات التي أناط بها سعاده المرجعية الدستورية، بعد غيابه، خاضعة، اليوم، لقوى «الأمر الواقع»، وهي أعجز من أن تحمي رئيس الحزب من «تنمّر» أحد عُمدِه عليه ومنعه من دخول مكتبه في مركز الحزب الذي هو رئيسه!

من هنا، لم يجد القوميون الإجتماعيون (ونحن منهم) مناصاً، هذه المرة، من الإتصال بأصدقاء الحزب وحلفائه في محور المقاومة (وسيادتكم، في طليعتهم) طلباً للمساعدة في إعادة وحدة حزبهم حتى يستعيد دوره الذي افتقده في محيطه القومي والعربي والإقليمي، ويسهم بواجبه بفاعلية أكبر في المعركة الجارية، على أرضنا، منذ مئة عام، ضد المشروع الغربي الإستعماري الذي لا يُعرف لأطماعه، في أرضنا ومواردنا، حدّ، فضلاً عن إنشائه الكيان اليهودي الغاصب في فلسطين، وتجنيده قوى التكفير والظلامية التي كادت- لولا ثبات سيادتكم في قيادة المعركة والتفاف محور المقاومة حولكم- أن تحوّل بلادنا إلى جحيم، في المرحلة الراهنة.

السيّد الرئيس، إن القوميين الإجتماعيين، اليوم، يشعرون أكثر من أي يوم مضى بحاجتهم إلى حزبهم: إلى الحزب المكتوب له أن يكون أول حزب عقدي نظامي عرفته بلادنا والعالم العربي في العصر الحديث، وآخر حزب عقدي نظامي باقٍ لبلادنا والعالم العربي ليلعب دوره المرسوم له. ومقابل هذا الشعور، وفي مستوى النظر الأعلى لطبيعة الحزب وطبيعة المرحلة، يدرك القوميون الإجتماعيون الخطر العظيم الذي يتمثل لهم في حالة الحزب الحاضرة: نحن حزب الوحدة الذي كان عليه أن يصمد في حروب التفتيت، ونحن حزب الإستقلال الذي كان عليه أن يقاوم أثقال القوى الكبرى وآلاتها، ونحن حزب التميّز الذي كان عليه أن ينجو من التوحل، ونحن حزب الطهارة الذي كان عليه أن يحفظ عقيدته ورجاله من التلوث في شوارع الطوائف ودكاكين العمالة والخيانة..

في رسالة من أحد قياديي الحزب السابقين ومفكريه الكبار إلى الرئيس الأسد- الأب (1994)، كتب له بالحرف:» هذه سورية، بكياناتها جميعاً،(ويقصد، هنا، سورية الكبرى، طبعاً) تواجه سلاماً أخطر من الحرب، فشدّ قبضتك على سورية، يا رجل! إنها أمة هادية ومعلّمة للأمم!». اليوم، نجدّد الدعوة إلى الرئيس الأسد- الإبن، مشفوعة، هذه المرة، برجاء المساعدة على قيامة حزب سورية- الحزب السوري القومي الإجتماعي- من سباته الذي طال!

السيّد الرئيس، الحزب السوري القومي الإجتماعي، صديقكم وحليفكم في محور المقاومة، هو، اليوم، على الأرض، ركاماً من ركامات المجتمع القديم. كل هذا الحزب، بمؤسساته وأجهزته وإدارته وقيادته، على الأرض. وهذه هي مأساتنا!. وما من أحد، في الحزب أو خارجه، يشعر أن يوميات الحزب، كلها، في هامش زمان الأمة والعالم. فالنهضة القومية الإجتماعية التي أطلقها الحزب في ثلاثينيات القرن الماضي لتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، وتسعى لإنشاء جبهة عربية، هي (اليوم) ملحقة بزمان الآخرين. وهذه النهضة التي أسّست ودعت للعمل المقاوم في مواجهة الإستيطان الصهيوني – الغربي لفلسطين، وقدّمت الشهداء، منذ الإنتفاضات الأولى ضد الإستعمار البريطاني والهجرات الإستيطانية اليهودية، رافعة شعار: «القوة هي القول الفصل في إحقاق الحق القومي»، هذه النهضة تستهلكها اليوم السياسات الصغيرة والإستثمارات الفردية وهوامش الأحداث الداخلية والقومية والعالمية، فيُصاب رجالها وأنصارها بالإحباط. والإحباط نزف قومي مخيف تضرّ به النهضة أجيالها، جيلاً بعد جيل، فتضرّ الأمة كلها، لأجيالٍ لم تولد بعد!.

الأكثر قراءة

«عرض عضلات قواتي» ومخرج الراعي للاستدعاءات موضع بحث بعد رفض باسيل