في الوقت الذي تبحث فيه المناطق اللبنانية عن بصيص نور يُضيء عتمات الليالي القاتمة جرّاء انقطاع التيار الكهربائي الدائم من جهة، وبدعة التقنين اليومي التي يفرضها أصحاب المولّدات من جهة أخرى، وأزمة المحروقات التي يعاني منها القطاع، خاصّة الشحّ في مادة المازوت، إضافة الى ارتفاع الأسعار جرّاء الإنهيار الإقتصادي الأشدّ في التاريخ اللبناني وتلاعب السوق السوداء بالوضع الراهن، ومع تصاعد صرخات المواطنين الذين يُعانون، خرجت بعض المناطق اللبنانية عن السكة السلبية بحثاً عن المسار الصحيح لتأمين التغذية الدائمة للمولّدات.

البترون قضاء لن يطفئ!

أبى قضاء البترون أن تحتلّ الظلمة فيه وتفرض سيطرتها عليها، فجَهِد «اتحاد بلديات البترون» لخلق آلية، تُبقي المنطقة مُضيئة، حيث شرح رئيس الاتحاد مارسيلينو الحرك ل» الديار» الآلية التي اتبعها الإتحاد قائلا: «مع تفاقم الأزمة، شكّل اتحاد بلديات البترون لجنة خاصّة، عملت على استبيان الوضع الحالي وإحصائه لجهة التحديد بالأرقام كميّات المحروقات اللازمة للمحافظة على تأمين التيّار الكهربائي من قبل أصحاب المولّدات، وبعد دراسة شاملة، بدأ العمل جدّياً، فبعد اجتماع مع مدير عام النفط السيدة أورور الفغالي، استطعنا وبفضل جهودها تأمين الكميّة الكافية من المازوت المدعوم الصادر عن منشآت النفط التابعة لوزارة الطاقة والمياه وتوزيعه على أصحاب المولدات بحسب جداول الحاجة التي قدّموها ، بالإضافة الى الأفران وإمدادات الصرف الصحي ومراكز تكرير النفايات وغيرها من المؤسسات والمراكز التي تُقدّم الخدمات الإساسية للمنطقة، باستثناء المؤسسات الخاصّة والسياحية، فهدفنا الأوّل هو المواطن البتروني ومحاولة تأمين ما يلزم له من مواد أولية للإستمرارية، لذلك استطعنا المحافظة على تأمين ساعات التغذية اللازمة في قرى قضاء البترون كافة».

ويُضيف: «هذا في المرحلة الأولى، قبل رفع الدولة الدّعم رسمياً عن المحروقات، أمّا اليوم وبعد انتهاء المهلة، بدأنا كاتحاد نعمل لشراء مادّة المازوت بحسب سعر الصرف في السوق الموازية، وهنا نواجه المشقّات بحيث يجب علينا الدفع بالدولار، ونحن كبلديات لا نتعامل سوى بالعملة الوطنية، لذلك لا نزال نبذل الجهود المفروضة من أجل التوصّل الى حلحلة في موضوع الدفع، والأجواء بالإجمال إيجابية، فاتحاد بلديات البترون سيثابر على عمله بتفان كالمعتاد من أجل إبقاء المدينة وقضائها منارة الشمال».

أمّا بالنسبة الى التسعيرة الرسمية للكيلوات الواحد التي تصدر شهرياً من الوزارة، فأكّد الحرك أنّ البلديات كافّة تخضع لسلطة الوزارة وأردف قائلاً: «بلدية البترون كونها سلطة محلية نافذة، كانت السبّاقة بتحديد سعر الكيلوات الواحد منذ عشر سنين منعاً للإحتكار والتلاعب العشوائي بالأسعار، إلا أنّه بعد اعتماد التسعير الرسمي من الوزارة، وجب علينا كبلدية التقيّد بقرارات الوزارة، والرضوخ للمركزية الإدارية»، وأكّد مساندة وزارة الإقتصاد في عملية المراقبة خاصّة في هذا الوضع الإقتصادي الذي شلّ الحركة على الأصعدة كافة وفي شتّى المجالات، مُراهناً على قيام لبنان من جديد ولمس نهضته الحقيقية التي تليق بشعبه.

شعبياً، وفي دردشة مع بعض سكّان البترون، ظهرت الأجواء إيجابية لجهة الرضى على ساعات التغذية من المولّدات، واعتبر فادي أنّ منطقة البترون وقرى القضاء أفضل حال من باقي المدن والقرى، « فلم نشعر بقساوة الظلمة، فالمولدات لبّت حاجاتنا، والفضل بطبيعة الحال لبلدية البترون ورئيسها الذي عوّدنا وقوفه جنبنا، فليست أولى مواقفه أن يسعى بالمستحيل من أجل تطوير المدينة».

ويضيف فادي: «المشكلة التي نعاني منها حقيقة هي نفسها التي يعاني منها اللبنانيون جميعاً لجهة التكلفة التي باتت باهظة جدّاً بالنسبة لنا كشعب لا يزال يتقاضى راتبه على أساس سعر صرف 1500 ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد، هنا الصرخة موجهة الى الوزارات المعنية، خاصّة وزارة الطاقة والمياه التي من شأنها إعادة النظر بالتسعير، ووزارة الإقتصاد التي نحضّها على التشدّد بالمراقبة أكثر لأننا نُعاني من تلاعب في الأسعار كما في احتساب العدادات».

من البترون صعوداً نحو قرى وسط القضاء، المشهد نفسه ، التيّار الكهربائيّ يغيب من شركة الكهرباء، إنّما المولدات الخاصّة تقوم بالواجب، أمّا المشكلة هنا، بحسب زاهي، وهو أحد قاطني تلك القرى، فتندرج في خانة احتساب ارتفاع المنطقة عن سطح البحر واعتماد جدول التسعيرة المرتفعة، ويقول: «تقع قريتنا على ارتفاع 550 م عن سطح البحر، إذاً من الواجب أن يتبع أصحاب المولدات التسعيرة الخاصّة لهذا الإرتفاع، إلا أنّهم وبحكم الإحتكار يعتمدون التسعيرة الأعلى التي تنطبق على القرى التي ترتفع 700 م عن سطح البحر فيكون الفارق أكثر بثلاثمئة ليرة للكيلوات الواحد، وعلى المشترك أن يدفع وإلا سيكون رهينة قطع الإشتراك أو تكبّد كلفة شراء مولّد صغير خاصّ لمنزله ويعجز حينئذ، إن استطاع دفع ثمنه، عن تأمين محروقاته! فالمواطن في شتّى الأحوال ضحية».

استطاع قضاء البترون أن يغلب سواد عتمة فرضها واقع الإنهيار الإقتصادي الذي قضى على رونق الحياة في لبنان. ومع استمرار أزمة كهرباء الدولة اللبنانية، هل ستحذو البلديات اللبنانية كافة حذو البترون، ليعود لبنان منارة الشرق الحقيقية؟    

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء