الأمبراطوريات تنتج، عادة، هذا الطراز من المجانين. مثلما أنتجت الأمبراطورية الرومانية نيرون وكاليغولا، الأمبراطورية الأميركية أنتجت جورج دبليو بوش ودونالد ترامب!

أبراهام لنكولن الذي اتخذ من الفيل شعاراً لحملته الانتخابية، قبل أن يتحول الى شعار للحزب الجمهوري.

لم يكن يتصور أن هذا الحيوان الذي يمشي متثاقلاً يمكن أن يصاب ببارانويا العظمة ويحطم كل الأواني الزجاجية في... القاعة الأميركية.

هكذا يتحول الخروج الأميركي من أفغانستان، وبعد عشرين عاماً من الغزو، الى فضيحة، وهكذا ينزل الضباط والجنود الأميركيون في العراق كل مساء الى الملاجئ.

لدى تفجير مقر قيادة «المارينز» في بيروت عام 1983، كان عنوان المقال الرئيسي في «النيويورك تايمز» «انها لعنة الشرق الأوسط». المثير أن عنوان المقال الرئيسي في «الواشنطن بوست» كان «لعنة الآلهة»!!

الآن، وتداعيات الليلة الأفغانية ترخي بظلها على البيت الأبيض، يتساءل ديفيد أغناثيوس «هل هو مأزق جو بايدن أم مأزق أميركا»؟

البنتاغون قال كلمته «لا مغامرات عسكرية هناك بعد الآن». هو من حال دون دونالد ترامب والأخذ برأي بنيامين نتنياهو شن حرب صاعقة على ايران كان من الطبيعي أن تنتهي بالقاء القنبلة النووية على قم أو على طهران. تذكرون الموقف المدوي لقائد القوات الاستراتيجية آنذاك الجنرال جو هايتن الذي أعلن منع دخول الرئيس الأميركي الى الغرفة النووية.

واذا كانت الادارة السابقة رهينة التغريدات العشوائية للرئيس الذي لم يتحمل واقعية وزير خارجيته ريكس تيلرسون، ولا واقعية وزير دفاعه جيمس ماتيس، ولا حتى واقعية مستشاره للأمن القومي هربرت ماكماستر، تبدو الادارة الحالية رهينة الارتباك والتذبذب (وحتى الازدواجية) بسبب ضغوط الصقور ان في تلة الكابيتول أو في دهاليز الدولة العميقة.

الرأي الأخير للبنتاغون الذي اذ ارتضى، تكتيكياً، الأخذ بـ»سياسة الاغواء»التي يطرحها البيت الأبيض في التعاطي مع الصين على أساس تداخل المصالح الاقتصادية، يرى استراتيجياً، أن جدلية الأشياء توحي بأن انفجار الصراع في الباسيفيك آت لا محالة...

الأميركيون جادون في الخروج التدريجي من المنطقة . اذ يدركون مدى هشاشة الحكومات الحليفة، يرون أن بقاء الصراعات الاقليمية، وبرحيل الأساطيل، لا بد أن يفضي الى خروج «الذئاب الايديولوجية»من جحورها والانقضاض على السلطة، باستلهام الحالة الأفغانية . من هنا دومينو التسويات الذي يبدأ من المتاهة اليمنية الى ضفاف المتوسط.

زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان للرياض أدت الى احداث تغيير دراماتيكي في موقف المملكة التي تشكو من هشاشة حكومة معين عبد الملك باخفاقه في مقاربة التراجيديا الاقتصادية، لتندلع التظاهرات الصاخبة في تعز، وفي المدن الأخرى، وهو ما قد يؤدي الى بعثرة الأوراق التفاوضية التي بيد السعوديين.

الايرانيون، بدورهم، يدورون في الحلقة المفرغة هناك بعد فشل الحوثيين في الوصول الى مأرب، حتى تجاوز عدد قتلاهم في المعركة عدد قتلاهم على امتداد سنوات الحرب، وان كان معلوماً أن الأميركيين قدموا لـ «التحالف» خدمات عملانية، واستخباراتية، فائقة الدقة للصمود كل هذه المدة، بما يعنيه، استراتيجياً وديبلوماسياً، وضع اليد على هذه المنطقة الوحيدة في الشمال المتبقية في يد عبد ربه منصور هادي.

شيء ما يبدو في الأفق . جو بايدن يريد مفاوضات سريعة بين أطراف الحرب  ورعاتها الاقليميين، حتى اذا ما انطفات الحرائق الواحدة تلو الأخرى، على امتداد الشرق الأوسط، وحصل تبدل في العلاقات بين ضفتي الخليج، تضاءلت احتمالات عودة الجماعات الراديكالية الى العمل ان تحت السطح أو فوقه.

هكذا لا تتكرر الفضيحة الأفغانية في المنطقة، ويتكرس الستاتيكو، خصوصاً مع العودة الى اتفاق فيينا، وتبريد الرؤوس الحامية في ايران.

الخروج يبدو حتمياً من سوريا باعطاء الأكراد وضعاً خاصاً . هذا ما يثير أعصاب رجب اردوغان الذي يخشى من انتقال العدوى الكردية الى بلاده التي يمكن أن تواجه هزات طائفية واثنية عاصفة تهدد بتفكيك الدولة التركية.

المشهد الشرق أوسطي يثير القلق، كما الريبة، لدى «القيادة الاسرائيلية» التي تقرأ بدقة ما يتردد داخل معاهد البحث الأميركية من أن «اسرائيل» فقدت دورها كذراع استراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.

هذا ما يحمل المعلق الأميركي فريد زكريا على التساؤل ما اذا كان باستطاعة جو بايدن أن يقف على ساق واحدة في منتصف الطريق بين طهران وتل أبيب.

ربما كان التساؤل الأكثر اثارة ما يتردد في أوساط جماعة «جي ـ ستريت» اليهودية الأميركية، والمناهضة لسياسات «اللوبي اليهودي»، من أن «اسرائيل» التي تتصرف، حالياً، بصورة هيستيرية في الأراضي المحتلة، قد لا تجد أمامها، بعد الرحيل الأميركي، سوى أن تأخذ بدعوة أحد آباء الدولة والتحول الى ... فاتيكان يهودي.

هذا لا يمنع ذلك الوزير الغبي في احدى الدول الخليجية من التساؤل أمام زميل خليجي أيضاً، وصديق له من أيام الدراسة، «من لنا سوى اسرائيل لحمايتنا من الصفقة الأميركية ـ الايرانية ومن الصفقة السعودية ـ الايرانية»؟

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء