تتجه الأنظار نحو كيف ستتعامل «حكومة معاً للإنقاذ» في موضوع ترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي، وعلى أي أساس أو أي خط تفاوضي ستتمسّك به لحفظ حقوق لبنان كاملة، في منطقة النزاع، بعد ما استجدّ أخيراً مع إعلان شركة «هاليبرتون» الأميركية الحصول على ترخيص لبدء التنقيب عن الغاز والنفط في حقل «كاريش» البحري. هذا الحقل الذي يدخل أكثر من نصفه في منطقة النزاع «الموسّعة» بمساحة 1430 كلم2 ما يجعلها تبلغ 2290 كلم2 تبعاً للخط 29 الذي يُفاوض عليه الوفد العسكري اللبناني في المفاوضات غير المباشرة المتوقّفة حالياً منذ 5 أيّار الماضي، بعد الإطاحة بالجلسة السادسة منها. أمّا الحدود البحريّة وفق ما ينصّ عليها المرسوم 6433 المودع من قبل لبنان لدى الأمم المتحدة فتنتهي عند الخط 23، فيما المودعة من قبل العدو الإسرائيلي تعتمد الخط 1، ما يجعل المنطقة المتنازع عليها تبلغ 860 كلم2، والتي فيها يتداخل البلوكان 9 و10 وجزء كبير من حقل «قانا». أمّا البلوك 72 وحقل «كاريش» فيبقيان خارجها، في الوقت الذي يتداخل جزء من حقل قانا في البلوك 72. فكيف ستتصرّف حكومة ميقاتي لإثبات أنّ الشركة الأميركية تنوي بدء عملها في المنطقة المتنازع عليها، في الوقت الذي لم يسوّ فيه لبنان موقفه ولم يُعدّل بعد المرسوم 6433 وفق الإحداثيات الجديدة لحدوده البحرية ويودعه لدى المنظمة الأمميّة؟!

من المؤكّد أنّ العدو الإسرائيلي، ومعه الوسيط الأميركي يستغلان، على ما ترى أوساط ديبلوماسية مواكبة، الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة التي يمرّ بها لبنان، أو بالأحرى المفتعلة فيه، لكي يبدأ التنقيب في حقل «كاريش» من قبل شركة «هاليبرتون» الأميركية من دون أن يهزّ أي ساكن كون الحكومة الجديدة منشغلة بمعالجة مشاكل المواطنين اليومية وتحقيق الإصلاحات المطلوبة. في حين أنّ الواقع مغاير لوجهة النظر هذه، فقطاع النفط الذي دخله لبنان في العام 2018 بخطوات متعثّرة بفعل التدخّلات السياسية الدولية، يُشكّل عاملاً أساسياً في إنقاذ لبنان وانتشاله من الإنهيار الحاصل، لذلك لا يُمكن غضّ النظر عنه، بل على العكس تسييره الى جانب عقد الإتفاقات مع صندوق النقد الدولي، والقيام بالإصلاحات، والتحضير للإنتخابات النيابية المقبلة.

وتقول الاوساط بأنّ حصّة لبنان في حقل «كاريش» كبيرة، سيما وأنّ الخط 29 يقسمه الى نحو النصف، كما أنّ حقل «قانا» اللبناني يتداخل في جزء لا بأس منه في منطقة النزاع «المصغّرة»، وفي قسم أقلّ في المنطقة «الموسّعة». وهذا الأمر بحدّ ذاته يُشكّل حافزاً أساسياً لاستئناف التفاوض. فـ «الإسرائيلي» سيبدأ عملية شفط الغاز والنفط من حقل «كاريش» لينتقل بعدها الى العمل في البلوك 72 الذي يجتزىء القسم الجنوبي من حقل «قانا» القائم في البلوك 9 والذي كان يُفترض أن تبدأ شركة «توتال» الفرنسية (المشغّلة لتحالف الشركات المكوّن الى جانبها من «إيني» الإيطالية و»نوفاتيك» الروسية الذي وقّع على عقود التنقيب عن الغاز والنفط في البلوكين 4 و9 في العام 2018)، بدء العمل فيه بالتوازي مع البلوك 4. غير أنّ «توتال» قرّرت بشكل آحادي بدء استكشافها في البلوك المذكور أولاً، ولم تستكمل الحفر فيه على العمق الذي يجب أن تصل إليه وأنهت عملها من دون أن تُعطي نتائج واضحة عن عملية التنقيب، ومن ثمّ أرجأت فترة الإستكشاف الأولى للبلوك 9، بفعل بند تعديل أو تعليق المهل القائم في العقد الموقّع بين التحالف وهيئة إدارة قطاع البترول (وزارة الطاقة)، من كانون الأول 2020 الى 13 آب 2022، على أن تستكمل في التاريخ نفسه العمل في البلوك 4.

حتى الآن، الجميع يعلم أنّ المفاوضات غير المباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي قد عُلقّت مرتين منذ انطلاقتها في 14 تشرين الأول من العام الماضي، على ما أضافت الاوساط، الأولى في 11 ت2 الماضي والثانية في 5 ايّار الماضي، بسبب رفض «الإسرائيليين» للخط 29 الذي يتمسّك به لبنان والوفد المفاوض كحدود المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة له، والذي يُضيف الى منطقة النزاع «القديمة» مساحة 1430 كلم2. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، على أي أساس سيعود لبنان الى طاولة المفاوضات، طالما أنّ موقفه الرسمي واضح وصريح ومُعلن وهو «عدم التنازل عن أي كيلومتر من حقوقه البحرية، ولا عن أي شبر من حقوقه البريّة»؟! علماً أنّ من مصلحته تسيير ملف ترسيم الحدود وعدم تجميده، لأنّه كلّما جرى تمديد فترة تعليق المفاوضات كلّما تأخّر لبنان في جني الأموال من ثروته النفطية البحرية.

ورجّحت الأوساط نفسها أن يعود لبنان الى طاولة المفاوضات قريباً جدّاً لتحصيل ما يُمكن تحصيله من منطقة النزاع «الجديدة»، سيما وأنّ الخط 29 ليس الخط النهائي لحدوده البحرية، بل هو خط تفاوضي قوي يستند الى القوانين. فتأجيل هذه العودة، من شأنه جعل شركة «هاليبرتون» تبدأ بعملية شفط الغاز من حقل «كاريش»، كونه لا يدخل ضمن المنطقة المتنازع عليها المودعة من قبل لبنان لدى الأمم المتحدة منذ العام 2011.

وتقول الأوساط عينها بأنّه على حكومة ميقاتي اتخاذ موقف رسمي من مسألة بدء العدو الإسرائيلي التنقيب في حقل «كاريش»، والتصرّف على أساسه بتعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة، أو القيام بأي أمر آخر «قانوني» لحفظ حقوق لبنان في منطقة النزاع الجديدة التي يُفاوض على أساسها. فما قام به لبنان حتى الآن، عبر وزارة الخارجية والمغتربين، من تقديم كتاب الى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة مجلس الأمن جيرالدين بيرن ناسون للتأكّد من أنّ أعمال تقييم التنقيب لا تقع في منطقة متنازع عليها بين لبنان والعدو الإسرائيلي، بغية تجنّب أي اعتداء على حقوق وسيادة لبنان، والمطالبة بالتالي بمنع أي أعمال تنقيب مستقبلية في المناطق المتنازع عليها وذلك تجنّباً لخطوات قد تُشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، هو «إجراء أوّلي، لا يُعتبر كافياً لوقف «هاليبرتون» عن العمل في حقل «كاريش».

وبرأي الاوساط، يُمكن للمنظمة الأممية بعد تأكّدها من موقع العمل من الشركة الأميركية أن تُبلغ لبنان أنّ العمل في حقل «كاريش» لا يقع ضمن منطقة متنازع عليها، كون منطقة النزاع «الجديدة» غير مودعة لديها. وهنا تكمن أهمية تعديل الإحداثيات وفق ما يتفاوض عليه الوفد اللبناني لكي تكون حجّة لبنان أقوى لدى الأمم المتحدة. ولا تستبعد الاوساط بالتالي أن يكون دخول الشركة الأميركية على خط التنقيب عن الغاز والنفط في منطقة النزاع الحدودية، مدعوم من إدارة الرئيس جو بايدن للضغط على لبنان للعودة الى طاولة المفاوضات سريعاً. فموقف الولايات المتحدة من تسهيل استجرار الغاز المصري والطاقة الأردنية عبر سوريا الى لبنان، من دون التعرّض لعقوبات «قانون قيصر»، قد يدخل في إطار تبادل المصالح في حوض البحر المتوسّط الذي يُتوقّع أن يكون وجهة النفط المقبلة نحو الدول الأوروبية والغربية.

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب