أزمات متتالية يمر بها لبنان لعل أسوأها انهيار العملة الوطنية ما فاقم من سوء الوضع الاجتماعي. ولا شك بأن السبب الأساسي لما وصل إليه وضع البلد اليوم، يعود إلى أداء السياسيين الفاسدين الفاشل في إدارة البلد، وتكتيك "الصمم" المعتمد لدى الأغلبية غير الآبهة لأصوات الشعب ومناشداته، إلا في خطاباتها الانتخابية على مبدأ "الحكي ببيع"!.

بادارتهم الخاطئة، شوهوا وجه لبنان الحضاري، وأفرغوه من مقوماته وضربوا نظامه، مفصّلين دستوره "كلّ على قياسه". فاستبدلت القيم الديموقراطية بالتوريث السياسي وتقاسم الحصص والتعيينات والتوظيفات في الدولة.

وكما السياسيون، يتحمّل الشعب بدوره جزءا من المسؤولية، فهو بدوره استغل الأزمات واحتكر السلع، وجدّد للطبقة نفسها المرة تلوى الأخرى "لأنه مستفيد" أو على الأقلّ الأغلبية مستفيدة، ليتحوّل المواطن إلى "فاسد صغير".

و"لتكمل" جاءت أزمة كورونا وانفجار المرفأ، لتعميق الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان منذ صيف 2019. فبات أكثر من نصف اللبنانيين تحت خط الفقر.

لا شكّ بأنّ الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، تفاقم خلال السنتين الماضيتين، حتى بات اللبنانيون عالقون في القاع، بانتظار "عجيبة" تنتشلهم من مصائبهم، بعد أن تحوّل بلدهم إلى دولة فاشلة متخبطة، يديرها الفاسد الغني والفاسد الفقير، أمّا المواطن "المعتّر فراحت عليه!" فهذا الأخير يقف يومياً أمام طوابير لا تنتهي، بدءاً من الخبز والبنزين والغاز ووصولا إلى المازوت والدواء، متروكا رهينة للعصابات التي تتحكم باقتصاد البلاد.

لكن ماذا عن المواطن الذي حوّلته الأزمة إلى محتكر أيضا ولو صغير ؟

أفرزت هذه الأزمة سوق احتكار عريض كان متوقعاً في ظل نظام رأسمالي تسيطر فيه عصابات مؤلفة من تجار وأصحاب شركات وأفراد، موزعة على غالبية القطاعات في البلاد بدءاً من قطاع المحروقات مرورا بالأدوية والاستشفاء والقمح ووصولا إلى الكهرباء. لتطفو أسماء المحتكرين على سطح الأزمة فتجعل منهم "زعماء" لامبراطوريات وهمية، لا يمكن الاستغناء عنها، ويخضع المواطن لها مكروها، مسيراً لا مخيراً !

ولا يُخفى على أحد في لبنان أن عصابات المحروقات والأدوية يصعب على أيّ طرف مواجهتها، نظراً لتحكمها بالسوق وبأسعاره وهي تمنع المنافسة فيه، أمّا أصحابها فمدعومين من كبار السياسيين، فيما بعضهم أصبح أقوى من الدولة وسياسييها. وهذا الواقع ترجم في قضية عدم إقرار قانون المنافسة بعد الضغوط التي مارسها أصحاب عصابات الاحتكار في عدة قطاعات على السياسيين اللبنانيين.

وعليه، تحتكر مئات المؤسسات الكبيرة وأصحابها النافذون السلع، ما يعطيها غطاءا قانونيا للتلاعب بالاسعار واستغلال الازمة لصالحها كلّما سمحت لها الفرصة.

وبمراقبة المشاهد اليومية التي يعيشها اللبناني، تتكشف حقائق مظلمة مختبة خلف المشهد العام. فوراء المحتكرين الكبار يأتي الصغار، فلهؤلاء قصص أطول من "الف ليلة وليلة". فمنهم من يشتري المحروقات المدعومة ويعود ويبيعها في السوق السوداء على سعر صرف الدولار، ومنهم من يهربها إلى خارج لبنان، والبعض يشتري المواد الغذائية المدعومة ويخزنها ليعود ويبيعها على السعر الجديد، فيما البعض الآخر يخزّن الأدوية و"بقلّك مقطوع"، بانتظار أقرب قفزة للدولار ليضرب ضربته. أما عن تجار الاعاشات فحدث ولا حرج، فهؤلاء يأخذون "الكرتونة" من درب المحتاج "بالمجان" ويبيعونها للأفراد أو الدكاكين بالسعر الذي يناسب أطماعهم، وإلى هؤلاء ينضمّ تجار الغالونات، الذين لا يعرقلون السير ويزيدون من زحمة الطوابير فحسب، بل يساهمون في انقطاع المادة من السوق و"بشيلوها من درب غيرهم" خصوصا الموظفين الذين هم بأمس الحاجة لتعبئة سياراتهم للذهاب إلى عملهم.

ومثال على ما سبق، نذكر مداهمات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في الآونة الأخيرة لمستودعات ومخازن يخبئ أصحابها فيها كميات كبيرة من مادتي المازوت والبنزين. حيث وصل الأمر ببعض المحتكرين إلى تخزين كميات تصل إلى مليوني ليتر من مادة المازوت، ومليون ونصف المليون من مادة البنزين، في اماكن سكنية معرّضين حياتهم ومحيطهم للخطر! ومن يخبّئ هذه المادة لم يعد مجرّد محتكر، بل أصبح مشاركاً في الحصار على الشعب، لا بل أصبح قاتلا.

وإلى جانب مداهمات القوى الأمنية نستذكر حملة وزير الصحة السابق حمد حسن، بوجه محتكري الأدوية الذين خزنوا هذه الأخيرة بانتظار ارتفاع سعرها في الوقت الذي فضّلوا فيه رمي بعضها بعد انتهاء صلاحيته، على بيعها للمحتاجين. وكم من مشهد لمواد غذائية كانت مخزنة بانتظار رفع اسعارها وتم رميها في النفايات بعد انتهاء صلاحياته، تناوله الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي؟

في المحصّلة، نجد أن الفساد في لبنان لا يختلف كثيرا بين غني وفقير، فالأوّل يستغل ضعف الثاني والثاني يستغل الوضع العام ويفسد ما "زمط" من بين يد الأوّل، وكأنهما وجهان لعملة واحدة!

حل الأزمة

ومن هنا، يقتضي تفكيك هذه الحالة الخطيرة وإنهاء أسبابها المباشرة وغير المباشرة، والعمل على إعادة بناء هياكل الدولة وبناء العلاقة بين أهل الوطن الواحد، بحيث لا يكون الاختلاف الديني والسياسي والمذهبي سبباً لحرمان المواطن اللبناني من حقوقه الطبيعية والأساسية، كما لا يكون الانتماء الديني والسياسي والمذهبي الدافع لمنحه امتيازات تتجاوز حقوقه الطبيعية. مع بدء العمل على ارساء مفاهيم المواطنة وبناء مواطن صالح يعلي المصلحة الوطنية والعامة على حساب مصلحته الشخصية الضيقة.

فلبنان حالياً بات على مفترق طرق، والخطر يدهم الجميع. وبالتالي، إما الاستمرار بالاتجاه نحو الهوة مدفوعاً بالخراب المالي وانهيار المؤسسات والفقر المتزايد، والفساد المستشري في ظل استمرار سيطرة العصابات، أو بدء التعافي ولملمة كل الجراح العميقة والذهاب نحو حلول تبدأ من الشعب بحد ذاته، ومن ثم اللجوء الى تسوية إقليمية تؤدي الى الانفراجات الداخلية. وهذه الشروط تبدو تعجيزية في ظلّ سيطرة مرض أخلاقي خبيث على الساحة اللبنانية. 

الأكثر قراءة

«اسرائيل» تكشف موقف لبنان الضعيف في محادثات «الترسيم»: يخشون اميركا ! تحذير غربي من فراغ بعد الانتخابات... وطلب افادة جعجع في حادثة الطيونة ؟ حملة غربية ــ اسرائيلية «لشيطنة» حزب الله في ملف المرفأ والبيطار لا يتراجع