بعدما تلاشت «الصدمة» النفسية الايجابية بتشكيل الحكومة، وعلى وقع عودة الدولار الى الارتفاع، وسطوة «كارتيل» الموتيرات بعدما انهارت مؤسسة كهرباء لبنان وعمت العتمة كافة المناطق، دخلت البلاد مرحلة جديدة من «الكباش» السياسي- القضائي المفتوح بين القاضي العدلي في جريمة مرفا بيروت طارق البيطار والمدعى عليهم من وزراء ونواب، بعد رد محكمة استئناف بيروت الدعوى بحقه، وسط توقعات بان يستانف ملاحقاته خلال الساعات المقبلة قبيل انعقاد الدورة العادية للمجلس النيابي في 19 الجاري.. 

وبينما دخلت الولايات المتحدة على خط التحقيقات من خلال الكونغرس قبل ايام، يؤشر دخول السفيرة الاميركية دوروثي شيّا العلني في تفاصيل اليوميات اللبنانية عبر تنقلها بين الوزارات ومقر رئاسة الحكومة الى «سخونة» مرتقبة في المشهد السياسي اللبناني الذي دخل عمليا في حقبة الانتخابات النيابية التي تحظى باهتمام اميركي غير مسبوق، وهي باتت تزاحم ملف ترسيم الحدود البحرية الذي سيتحرك نهاية الشهر الحالي على وقع رسائل تحذيرية اميركية، فيما بدات باريس عبر مندوبها «السامي» الجديد في بيروت بيار دوكان البحث عن مكاسب استثمارية على وقع ابلاغ الجانب اللبناني رسميا ان الرياض غير «مهتمة» بالملف اللبناني.  

«عوارض» اشتباك سياسي؟ 

لكن التطور الخطير يرتبط بظهور مستجد»لعوارض» الاشتباك السياسي المفتوح منذ «الازل» بين رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي ورئيس المجلس النيابي نبيه بري على مجلس الوزراء، وما تحذير المكتب السياسي لحركة امل اليوم للحكومة من عواقب التاخر في اتخاذ اجراءات سريعة ملموسة الا «راس جبل» الجليد توتر مكتوم من عين التينة اتجاه السراي الحكومي المتهمة «بمسايرة» الرئاسة الاولى والسماح لها بفرض اجندتها السياسية والاقتصادية، وهو امر تخوف منه بري عشية التشكيل وفرضه رئيس الحكومة بقوة الامر الواقع الخارجي على الرغم من عدم «حماسة» رئيس المجلس المستاء من عدم فتح رئيس الجمهورية لدورة استثنائية لمجلس النواب على الرغم من توقيع ميقاتي للمرسوم وايداعه في دوائر القصر الجمهوري، كما يتهم بري رئيس الحكومة بالرضوخ لشروط الرئيس بتعيين مستشارين تابعين له في تشكيلة الوفد المفاوض مع صندوق النقد الدولي، واعلانه صراحة عدم رغبته بطرح ملف تشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء على جدول اعمال الحكومة نزولا عند رغبة الوزير جبران باسيل الذي يريد تفريغ الهيئة من صلاحياتها عبر قانون في مجلس النواب، وقد سمع ميقاتي هذه الانتقادات خلال اللقاء الاخير مع بري، وكذلك من الوزير السابق علي حسن خليل الذي زاره مؤخرا حاملا «رسالة» من رئيس المجلس، ووفقا لزوار القصر الحكومي بدأ رئيس الحكومة يشعر باهتزاز «المركب»، معبرا عن خشيته من تعقيدات «تفرمل» اندفاعة العمل الحكومي مع الاقتراب من الاستحقاق الانتخابي، لافتا الى ان «كل تدوير الزوايا لن تحلها بين عون وبري «والله يستر» لنقدر نقطع المرحلة الصعبة على خير»..!  

الاضرار بالحكومة 

وفي هذا الاطار، يعتبر ميقاتي ان امتناع عون عن التوقيع على مرسوم فتح دورة استثنائية يضر بالحكومة وياخر عملها لان مجرد الموافقة على فتح دورة استثنائية ستدفع باتجاه دعوة البرلمان للانعقاد بصورة دائمة لإقرار القوانين استكمالاً لتلك التي أقرت في السابق، وهذا الامر بمثابة رسالة إلى المجتمع الدولي للتأكيد على أن الحكومة ملتزمة بالإصلاحات الإدارية والمالية، لكن البلد «للاسف» غارق في مماحكات سياسية.! 

«نقزة» بري ؟ 

وفي سياق متصل، تلفت اوساط نيابية بارزة الى ان «نقزة» بري مبررة خصوصا انه سبق وحذر ميقاتي عشية التاليف من القبول بشروط رئيس الجمهورية الحكومية، وكان جادا بقراره عدم الدخول في الحكومة اذا ما حصل ذلك، وسمع وعودا من رئيس الحكومة المكلف آنذاك، لكن الاخير تراجع عنها على نحو مفاجىء متذرعا بالدخول الاميركي المباشر على خط التاليف، وقال صراحة انه لا يمكنه تحمل تبعات رفض «الضغوط»، وعندما حاول بري الاستعانة «بصديق» واتصل برئيس الحكومة السابق سعد الحريري لاتخاذ موقف رافض يمنع استجابة ميقاتي لشروط عون، فوجىء بان الحريري سبق وابلغ الرئيس المكلف بموافته على قراره، فيما لم تكن معارضة الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة مؤثرة، بعدما اتخذ النائب السابق وليد جنبلاط وحزب الله موقفا ايجابيا من عملية التاليف، فوافق بري على «مضض» لعدم قدرته على مواجهة «العاصفة» الخارجية. 

«التوتر» على السطح ؟ 

والان بدأ «التوتر» يطفو الى السطح دون ان يعني ذلك ان تبادل «الرسائل» سيتحول الى اشتباك سياسي علني بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولكن ثمة تخوف جدي من «كربجة» الكثير من الملفات الحيوية، خصوصا ان الطريق حتى الانتخابات النيابية مليئة «بالالغام» .  

وكان المكتب السياسي لحركة أمل، قد دعا»الحكومة إلى شق مسارات حلول مبنية على أساس الحاجات الملحة للمواطنين”، مشيراً الى أن “الحكومة مطالبة منع تفلت سعر صرف الدولار مما يهدد بانفجار اجتماعي ان لم يتم تدارك الأمور». وفي سياق الضغط على ميقاتي دعا البيان الى «الاستفادة من الانفتاح العربي على الشقيقة سوريا التي تشكل عمقاً عربياً قادراً  ضرورياً واساسياً لمواجهة المشاريع التأمرية». 

المواجهة القضائية –السياسية الى اين؟  

في الشق القضائي، ردت محكمة الاستئناف محكمة الإستئناف المدنية برئاسة القاضي نسيب إيليا وعضوية المستشارتين القاضيتين روزين حجيلي وميريام شمس الدين بالإتفاق شكلاً لعدم الاختصاص النوعي طلبات الرد المقدمة من النواب نهاد المشنوق وعلي حسن خليل وغازي زعيتر، والمتعلقة بكف يد المحقق عن التحقيقات شكلا لعدم الإختصاص النوعي، وإلزام المستدعين طالبي الرد دفع غرامة مالية مقدارها 800 ألف ليرة عن كل واحد منهم.. ومن المتوقع ان يتبلغ البيطار القرار اليوم، وعندها سيباشر بتعيين جلسات استماع للمتهمين ووفقا لاوساط مطلعة، فهو يستعجل الاستدعاءات قبل 19 الجاري موعد بدء الدورة العادية الثانية لمجلس النواب علماً أن وزير الاشغال السابق يوسف فنيانوس عاد وتقدّم بدعوى ضد المحقق العدلي بتهمة تزوير تاريخ إدعاء. 

المفاجاة القضائية! 

والمفاجاة القضائية كانت في سرعة البت بالدعوى قبل انتهاء العد العكسي لانعقاد الدورة العادية لمجلس النواب، وقد بررت مصادر قضائية الامر برغبة محكمة الاستئناف عدم الاضرار بالتحقيقات لان تداعيات وقف التحقيق ستكون وخيمة على القضية، ولهذا كان الرد في الشكل دون التطرق للمضمون وهو قرار لا يقبل طرق المراجعة الا امام الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وهو امر معقد من غير الوارد ان يحصل، وفيما تغيب حتى الان المعلومات حول الخطوة المقبلة للمدعى عليهم، تبقى المسألة الشائكة امام المحقق العدلي في اصدار تبليغات جديدة باعتبار ان التبليغات السابقة لاغية، خصوصا ان وزير الداخلية بسام المولوي رفض ان يحصل التبليغ عبر قوى الامن الداخلي، متنصلا من المسؤولية، ويتجه القاضي بيطار الى تكليف مباشرين مدنيين لتبليغ المعنيين، واذا تعذر ذلك فسيرفع طلب رسمي جديد الى وزير الداخلية لوضعه امام مسؤولياته القانونية والاخلاقية.! 

من جهته علق، وزير العدل القاضي هنري الخوري على قرار محكمة الاستئناف المدنية قائلا» اطلعت على خلاصة القرار، وقد رأى رئيس المحكمة أن الملف الذي قُدّم له لا يستوفي الشروط القانونية وردّه”. مشيرا الى انه أحترم هذا القرار ولديه ملء الثقة بالمحكمة والهيئة التي أصدرت القرار. 

شيا تواصل متابعة التفاصيل.. 

في هذا الوقت، واصلت السفيرة الاميركية دورثي شيا انغماسها في تفاصيل الملفات اللبنانية، وبعد جولتها على عدة وزارات، استقبلها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في السراي الحكومي بالامس، وكان لافتا اهتمامها بثلاثة ملفات، الانتخابات النيابية واجراءها بمواعيدها، ووضع المؤسسات الامنية وتأثرها بالوضع الاقتصادي الصعب في البلاد، وملف الترسيم، ووفقا للمعلومات، ابلغت الدبلوماسية الاميركي رئيس الحكومة ان بلادها بصدد اتخاذات اجراءات عملية لدعم المؤسسات الامنية وفي مقدمها الجيش، وقوى الامن الداخلي، بعدما لامست اوضاعهما «الخطوط الحمراء»، وطلبت منه لائحة بالاحتياجات اللوجستية والمالية..وفي ملف الانتخابات، كان واضحا رغبة شيا في قيام الحكومة اللبنانية ما يلزم لاتمام الاستحقاق الانتخابي بموعده، مشددة على اعطاء فرص متساوية لكل القوى لخوض الانتخابات في كافة المناطق اللبنانية! 

نصيحة «ملغومة»حول الترسيم؟ 

وكان لملف ترسيم الحدود حصته في اللقاء، وعلمت «الديار» ان شيا طالبت رئيس الحكومة عدم اتخاذ اي قرار حول مرسوم تعديل حدود التفاوض في هذه المرحلة، «ونصحته» انتظار الوسيط الاميركي الجديد اموس هوخشتاين المقرر ان يصل الى بيروت في النصف الثاني من الشهر الجاري، كي لا تقرأ اي خطة لبنانية على نحو خاطىء، وتتهم الحكومة بعرقلة مهمة المبعوث الجديد، حسب تعبير شيا؟!. تجدر الاشارة الى ان كبير مستشاري البيت الأبيض لأمن الطاقة عاموس هوخشتاين يهودي مولود في إسرائيل، ومن الصعب أن يحظى بمصداقية لدى الجانب اللبناني، وهو سبق وحاول التوسط في الملف خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، في عام 2016، ولكنه لم ينجح حينها في تحقيق اي تقدم.  

ماذا يحمل دوكان؟ 

في هذا الوقت، بدأ منسق مقررات سيدر بيار دوكان اتصالاته مع المسؤولين اللبنانيين بعيدا عن الاعلام، حاملا في جعبته مطالب فرنسية باصلاحات اقتصادية معطوفة على رغبة باريس في الحصول على «كعكة» الاستثمارات خصوصا في مرفأ بيروت. وبعيدا عن الشق الاقتصادي- الاصلاحي للزيارة، وفيما التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، كان لافتا ما اكدته مصادر سياسية مطلعة «للديار» عن ابلاغ دوكان رسميا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي رفض المملكة العربية السعودية التعامل ايجابيا مع حكومته، انطلاقا من عدم رغبة الرياض في العودة الى «الانغماس» في الساحة اللبنانية مفضلة «النأي بنفسها» عن هذا الملف. تجدر الاشارة الى ان دوكان سيبقى لخمسة ايام في بيروت يلتقي خلالها عدد كبير من المسؤولين والوزراء اللبنانيين ويغادر الجمعة مع ملف كامل سيقدمه للادارة الفرنسية، وهو سيلتقي الوفد اللبناني المفاوض مع صندوق النقد الدولي، وكان لافتا بالامس انه بدأ جولته العلنية بلقاء وزير الاشغال علي حمية وبحث معه ملف اعادة اعمار مرفا بيروت، فيما طلب الوزير دعم فرنسا في ملف النقل العام عبر تامين هبة باصات، ودراسة تطوير خط سكك للحديد، وتطوير مطار بيروت. 

  مفاوضات «صعبة» مع الصندوق 

في هذا الوقت، اعلنت الحكومة بدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي عبر بيان لوزارة المال، اشرفت على صياغة نصه بالانكليزية شركة «لازارد» لعدم ارتكاب اي اخطاء تثير ارتياب الصندوق، واشار البيان الى ان لبنان اعاد تعامله مع الصندوق، ووضع استراتيجية إعادة هيكلة الدين العام، كما رحب البيان بمشاركة حَمَلة السندات في عملية إعادة الهيكل. ووفقا لمصادر اقتصادية الخطوة الاهم تبقى اعادة صياغة خطة التعافي السابقة ووضع خطة واضحة للتفاوض مع الدائنين، خصوصا ان المعلومات الواردة من «الصندوق» تشير الى عدم وجود تساهل في التعاطي مع الملف اللبناني، وهو سيصر على تقليص القطاع العام، وتوحيد سعر الدولار، واجراء الاصلاحات في قطاع الكهرباء، وكذلك القيام باصلاحات ضريبية، وهو ما تراه تلك الاوساط شروطا صعبة لا قدرة لحكومة «قصيرة العمر» ان تستجيب لها قبل اشهر من الانتخابات. 

من جهته، كشف المتحدث باسم صندوق النقد أنه تلقى رسالة من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يعرب فيها عن اهتمام السلطات ببرنامج صندوق النقد الدولي، وتوقع أن تبدأ في الأيام المقبلة المباحثات الفنية بشأن السياسات والإصلاحات التي ستعالج الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان.

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء