يحلّ العام الدراسي ضيفا ثقيلا على الأهل هذا العام، بعد أن كان التحضير له يشبه عرسا تربويا مزدانا بالكتب الجديدة والزيّ الأنيق والقرطاسية الوافرة. اليوم تستمر حفلة جنون أسعار التعليم، لتضم إليها الكتب والقرطاسية والزيّ المدرسي، فلوائح الكتب مليونية والمستورد منها له نصيب الأسد، أما الزيّ المدرسي فقماشه حريري في سعره، عادي في جودته، في حين تحلّق القرطاسيّة بأسعارها وكأنّ أدواتها مصنوعة من ذهب.

من يُحدّد أسعار الكتب؟

يدخل تسعير الكتب المدرسية الصادرة عن دور النشر اللبنانية، في مهمّات وزارة الإقتصاد، أما الكتب المستوردة، فهي من شأن مالكي المكتبات وتقديراتهم! سوسن (28 عاما- ربّة منزل- أمّ لولدين في الأول والخامس أساسي) قالت لـ»الديار» إنّ أكثرية المدارس متعاقدة مع مكتبات خاصة بها، وتلزم الأهل بشراء الكتب منها، وعادة ما تكون أسعارها أغلى من غيرها، وهذا ما يحصل في مدرسة ولديها، أضافت: «هذه السنة تعتبر استثنائية، ومع ذلك أقرّوا طبعات جديدة، في وقت كان يجب ان يستخدموا كتب الدولة لأن ما فيها تكلفة أبدا».

وحول أسعار كتب إبنيها، اشارت الى أنّ سعر كتب الصف الأول الأساسي 1,500,000 فيما كتاب الإنكليزي وحده 393,500. أّما قيمة كتب الصف الخامس الأساسي فهي 994,500 والانكليزي 322,500. وبالنسبة لأسعار كتب المراحل الأخرى، تباع كتب الصف الثامن المتوسط بـ 802, 500 ألف من دون كتب العربي، والكتاب الانكليزي بـ 227000، بينما يبلغ سعر كتب العاشر 1,069000 والانكليزي بـ 159000.

كتاب أميركي بـ 3 أجزاء

سعره 600 ألف ليرة

سامية (موظفة- أم لخمسة أولاد) لديها توأمين في صفي الرابع أساسي و»البروفيه»، وهما مسجّليْن في مدرسة خاصة شبه مجانية، تقول لـ»الديار» إنّ السعر الإجمالي لكتب الرابع الأساسي هو مليون ليرة، وكتاب اللغة الإنكليزية بأجزائه الثلاثة يبلغ 600 ألف ليرة، هذا عدا عن مصاريف كتب التطبيقات التي تطبعها المدرسة على مدار العام، أمّا بالنسبة لكتب ولديها الآخرين، فقد اعتمدت المدرسة الكتب الوطنيّة كونهما في صف الشهادة الرسمية، ما خفف عنها كثيرا على حدّ تعبيرها.

الزيّ المدرسي بالدولار وبالليرة

عادة ما تعتمد المدارس الخاصة زيّا موحدا، وفي حين يبلغ الزيّ ملايين عدّة في بعض المدارس، فإنّه لا يتجاوز المئة ألف ليرة في مدارس أخرى. أسعار البدلة المدرسيّة الرسمية وبدلة الرياضة في ثانوية الراهبات الأنطونيات كالتالي: مريول الحضانة «كم» قصير وطويل 22 دولارا، والبنطال 20 دولارا... أما المراحل الأخرى، فهناك لائحة طويلة من الزي المدرسي المتشعب تحدّد أسعارها بحسب المرحلة العمرية، للكبار: بنطال كحلي 27 دولارا، قميص «كم» طويل 25 دولارا، «كم» قصير 22 دولارا، كنزة 32 دولارا، «شورت» 23 دولارا، «أنوراك» 45 دولارا، بدلة رياضة شتوية 42 دولارا، فيما تبلغ بدلة الرياضة الصيفية 27 دولارا، فيما أسعار الزي المدرسي في مدرسة مار مارون طرابلس أقلّ بكثير، إذ يبلغ سعر المريول أو البنطال أو القميص أو الكنزة أو زيّ الرياضة الصيفي 50 ألف ليرة، و يبلغ الزيّ الرياضي الشتوي أو الجاكيت 75 ألف ليرة.

الكتاب الوطني والقرطاسية

بالمجان للمدراس الرسمية

فيما يخصّ الكتب المدرسية هناك نوعان: المستورد بالدولار الأميركي أو ما يوازيه وفق سعر الصرف اليومي، والكتب الصادرة عن دور النشر في لبنان.

رئيس الوطني للبحوث والإنماء جورج نهرا، أوضح لـ «الديار» أنّ المركز يعنى بالكتاب المدرسي الوطني، فيما تختص وزارة التربية بكلّ ما له علاقة بالكتاب المستورد، والكتاب الصادرعن دور النشر اللبنانية، وبالنسبة للأخيرة، أكّد أنّه تمّ الإتفاق بين نقابة إتحاد الناشرين في لبنان ووزارة الإقتصاد لاحتساب كلّ كتاب بـ 45% من دولار السوق، فيما قال إنّ كلّ الكتب المستوردة أجنبية وإنّها غير مدعومة.

واشار الى أنّ الكتاب المدرسي الوطني سيوزّع مجانا على كلّ المدراس الرسميّة في لبنان من الروضة حتى نهاية الثانوية، كما سيوزّع على المدارس الخاصة التي طلبت الحصول عليه، لافتا الى أنّ المركز التربوي يضع الكتاب الوطني الإلكتروني الذي أنجزه العام الماضي بتصرّف كلّ معلمي لبنان في القطاعين الرسمي والخاص وبشكل مجاني أيضًا. واكد أنّ الكتاب الذي يصدره المركز يطال كلّ المواد والمراحل التعليمية، وأشار الى أنّ المركز كان ينظّم مناقصات لإصدار الكتب المدرسية بأسعار منخفضة جدا مقارنة بدور النشر الأخرى. ولماذا لا تعتمد المدراس الخاصة كتب المركز التربوي، أجاب نهرا أنّ هناك حريّة الإختيار للمدارس الخاصة، فيما الرسمية ملزمة باستخدامها في كلّ المراحل التعليمية، وهذه السنة تقدّم مجانية بتمويل من «اليونيسيف».

لا يقلّ موضوع القرطاسية شأنا عند الأهل، تماما كسواه من المستلزمات المدرسية الأخرى، وفي هذا الشأن اشارنهرا الى أنّ وزارة التربية أمّنت القرطاسية بالمجان من الصف الأول حتى السادس في جميع المدراس الرسميّة في لبنان.

لماذا نستورد كتبا من بريطانيا وباريس؟

منسق لجان الاهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة قحطان ماضي تحدث لـ «الديار» عن هواجس الأهل حول الكتب هذا العام، فأكد أنّ الشكوى الأساسية هي «غلاء» الكتاب المدرسي، وعدم توفّره في الأسواق، ولفت إلى أنّ بعض المدارس أقرّت طبعات جديدة، ما يحجب عن أهالي الطلاب إمكانية الإستفادة من الكتب المستعملة.

وحول الكتب المستوردة قال: «لماذا نستورد كتبا من بريطانيا و باريس؟ علما أنّ لدينا في لبنان مطابع ومؤلفين مثقفين ومبدعين ومتعلمين، ولماذا نقول إننا لا نستطيع ذلك»؟ أضاف أنّ ثمن هذه الكتب يترواح بين 30 و40 دولارا، ولا تقبل بعض المكتبات ثمنها إلا بـ»الفريش دولار».

برأي ماضي الحل هو بتوحيد الكتاب للمدراس الرسمية والخاصة، وشدّد أنّه لا بدّ أن تتفق وزارتي الثقافة والتربية على توحيد المنهاج الدراسي، ولا بدّ أن تتحمّل الدولة مسؤوليتها بدعم الكتاب المدرسي، مشيرا الى أنّ للمدراس دور نشر تابعة لها أو للجمعيات التي تدعمها، وترى في الطبعات الجديدة أرباحا جديدة وسمسرات، وهذا واقع مرير نعيشه في لبنان.

مبيعات دور النشر لن تتخطّى 3 أو 4%

إتهامات طالت دور النشر اللبنانية بأنّها غيّرت الكثير من طبعات الكتب هذا العام، علما أنّ وضع الأهل الإقتصادي مزر جدا. ممثل نقابة الناشرين في لبنان جاد عاصي أوضح لـ «الديار» أنّ حجم مبيعات دور النشر بلغ السنة الماضية 8% من مجمل مبيعاتها، فيما لن يتخطّى هذه السنة 3 أو 4%، معتبرا ان السبب يعود الى عملية تبادل الكتب بين الأهالي، واعتماد المدراس طريقة ممنهجة لتبادلها بين طلابها.

وفيما يتعلّق بتغيير الطبعات، شرح عاصي أنّه في السنوات الثلاث الأخيرة لم يكن بمقدور أيّ من دور النشر تغييرها ، مؤكدا أنّه عادة يتم تغيير طبعات الكتب كل أربع سنوات، وهذا أمر ضروري لان التربية في تطور مستمر، وهذا ما يميّز كتب دور النشر عن كتب الدولة على حد تعبيره.

والمشكلة برأي عاصي تتمثّل بأنّ مصرف لبنان دعم الكتاب المستورد بـ 9000 ليرة للدولار الواحد، فيما يباع بحدود 13 او 14 الف ليرة، أمّا المحليّ فيباع بـ 9000 ليرة، وأكّد أنّه لو دعم مصرف لبنان الكتاب المحلي لكان حصل كلّ تلاميذ لبنان على الكتب بشكل مجاني هذا العام، إلا أنّ مصرف لبنان قرّر دعم الكتاب الذي يخرج العملة الصعبة من البلد، فيما ظلم قطاعا كاملا يحرك العجلة الاقتصادية فيه، ورأى أنّ لا حلّ الا من خلال منظمات دولية تدعم التلميذ والمدرسة ودور النشر ومن غير ذلك» فإنّنا ذاهبون نحو افلاس كامل حيث بدأت دور نشر بإقفال أبوابها، والخوف من أن ينتهي القطاع التربوي برمّته، فالصورة سوداويّة جدا».

مبادرات مدرسية لافتة

رغم ضبابية المشهد وثقل الحمل على الأهل، برزت مبادرات مضيئة من قبل بعض المدراس، إذ اعتمدت مدرسة يسوع ومريم- الربوة (jesus and Mary School Rabweh) عملية تبادل الكتب بين التلاميذ، ولم يشتر أحد من التلامذة كتبا جديدة أو أجنبية هذا العام، وفق ما قاله أحد أعضاء لجنة أهل المدرسة، السيدة راشيل قُزح التي أشارت أيضًا إلى أنّ المدرسة قامت بإلغاء القرطاسية، وإعطاء الحرية للتلميذ لشرائها، أما بالنسبة للزيّ المدرسي، فقد تمّ الإلتزام بالقميص فقط، وأعطي الاهل الخيار لاخذ أزياء متبادلة او شراء جديدة او ارتداء ما يوجد لديهم من ألوان داكنة.

أسئلة تطرح نفسها: لماذا لا تعتمد المدارس الخاصة الكتب الصادرة عن الدولة والقرطاسية المتواضعة وتلغي الزيّ الموحد؟ لماذا لا تدعم الدولة دور النشر اللبنانية وتلغي إستيراد الكتب، تخفيفا عن كاهل الأهل؟ صحيح أنّ هناك مبادرات فاعلة نشأت على صفحات وتطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي، لتبادل وبيع الكتب المستعملة ولوازم مدرسية أخرى، وصحيح أنّ هناك جمعيات تعنى بهذا الشأن سنويا، إنّما يبقى هذا جزء لا يغطي احتياجات كلّ طلاب لبنان، وليس بحلّ مستدام، والمطلوب «لبننة» الكتاب المدرسي، في إطار دعم القطاع التربوي بكلّ عناصره الرسمية قبل الخاصة.

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق