«المستقبل» يُعوّل على استنهاض جمهوره لتدارك الدخول في الثنائية السنية


منذ ان قدم اعتذاره ولم يتمكن من تشكيل الحكومة، قرر الرئيس سعد الحريري اجراء مراجعة شاملة للمرحلة السابقة والتحضير للمرحلة المقبلة، واضعا نصب عينيه اعادة تنشيط تياره واستنهاض جمهوره تحضيرا للاستحقاق الانتخابي الذي يعتبره الممر الاساسي للعودة الى السراي.

في الاسبوعين او الثلاثة الاولى بعد الاعتذار ادلى الحريري بتصريحات وتغريدات مقتضبة تركزت على تحميل الرئيس ميشال عون والنائب جبران باسيل مسؤولية فشل او افشال تأليف الحكومة، ولم يسلم حزب الله من هذا الانتقاد باعتباره السند الدائم لهما . لكنه في الوقت نفسه كان يدرك ايضا ان الابواب السعودية التي بقيت مقفلة بقوة في وجهه رغم المحاولات والوساطات من دول صديقة وشقيقة ساهمت بقوة في عدم تسهيل مهمته وافشالها .

وبعد الاسابيع الثلاثة من اعتذاره لجأ الحريري الى التزام الصمت باستثناء نشر قلة من البيانات المقتضبة والتغريدات المرتبطة بمناسبات معينة بعيدا عن التصريحات المتعلقة بتطورات الازمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

واختار الحريري الى جانب الركود السياسي والاعلامي السفر الى الخارج للاهتمام بعائلته واوضاعه الخاصة وترتيب اوراقه وعلاقاته في الخارج في محاولة لتحسين امكانياته وتحضيراته للمرحلة المقبلة التي يفترض ان يخوض غمارها على طريق الاستحقاق الانتخابي المقبل.

ومن الخارج، حسب مصدر مطلع، يتواصل الحريري مع عمته بهية وابنها احمد وعدد قليل من الحلقة الضيقة المحيطة او المقربة منه اصدقاء ومعاونين ومسؤولين في «تيار المستقبل»، اما اعضاء كتلته النيابية، فان علاقتهم وتواصلهم مرتبطان بالنائبة بهية الحريري التي تتولى مهمة قيادة الكتلة على المستوى السياسي والمجلسي.

ومنذ مغادرته بيروت، اكتفت الكتلة بالحد الادنى من النشاط ولم تعقد اجتماعات دورية، بل اكتفت بالتشاور وباجتماع قبل جلسة الثقة بحكومة ميقاتي وقررت منحها الثقة ومتابعة ومراقبة عملها لاتخاذ المواقف المناسبة في حينه.

ووفقا للمصدر، فان اعادة تنشيط حراك التيار قد بدأ بوتيرة بطيئة تشهد مؤخرا تطورا نسبيا، ويعود هذا البطىء النسبي الى الظروف التي مر ويمر بها «التيار» منذ فترة غير قصيرة، والى الاوضاع التي سادت البلاد قبل وبعد اعتذار الحريري.

ويتولى احمد الحريري الدور الاساسي في اعادة تنشيط وتفعيل نشاط «تيار المستقبل» في المناطق كافة مستعينا بمسؤولين وكوادر في «التيار» في هذه المناطق الى جانب مسؤولين مركزيين اسندت اليهم مهمة متابعة اوضاع الاعضاء والانصار.

والى جانب هذا النشاط يقوم عدد من نواب «المستقبل» بدور رديف يتركز على محاولة اعادة وتعزيز التواصل المباشر مع انصارهم وجمهور المستقبل في ظروف يدركون صعوبتها نتيجة تضاؤل الامكانيات وكثرة الحاجات والمطالب لمواطنين فقدوا كل شيء، كما يقول احد هؤلاء النواب، مضيفا « هناك حالة من الاحباط عند الناس بسبب حجم وشدة الازمة، وهم معذورون وعلينا ان نعمل ما في وسعنا للوقوف الى جانبهم والتخفيف عنهم».

والى جانب هذا الظرف الصعب الذي يواجه اعادة استنهاض هذا الجمهور، فان عوامل اخرى لا تقلّ ثقلا تعترض مهمة قيادة «المستقبل» وهي تتعلق بدور الخصوم السياسيين في الشارع السني ليس من ٨ آذار فحسب كما كان الحال في السابق، بل ايضا من الخصوم الجدد من العائلة واهل البيت وفي مقدمهم شقيق سعد بهاء الذي يدير معركة البديل عن بعد، ويرعى نشاطا متناميا لافراد وجمعيات وجماعات تعمل في اطار تكوين ما يشبه التيار البديل، مستمدة قوتها من تراجع نفوذ «المستقبل» وامكانياته المادية ومن الامكانيات المادية التي يوفرها بهاء لنشاط هذه الجماعات والجمعيات، الى جانب النشاط الاعلامي الذي يأخذ حيزا من اهتمام الشقيق المنافس من خلال توفير كل الامكانيات لمنصته التلفزيونية والمساعدات والتعاون مع بعض وسائل الاعلام.

ويترافق دخول بهاء الى الساحة السياسية السنية مع حملة شديدة ارتفعت وتيرتها ضد شقيقه بشكل لافت عبر هذه المنصة بحيث باتت توازي بل تفوق احيانا الحملات التي تشنها على الخصوم الآخرين.

وبعد ان طال الانتظار يترقب نواب ومسؤولو «المستقبل» عودة سعد الحريري في اقرب وقت لحلّ لغز مسار المرحلة المقبلة على صعيد رسم وتظهير التوجهات السياسية الجديدة والمباشرة ايضا برسم معالم التحالفات الانتخابية، خصوصا ان البلد سيدخل عمليا بعد اسابيع في اجواء التحضيرات الجدية للانتخابات النيابية على صعيد اعداد فريق العمل الانتخابي والماكينات الانتخابية والتمهيد لمرحلة الترشيحات مطلع العام المقبل.

وتحرص اوساط «المستقبل» على عدم التعليق او ابداء الرأي في ما يقوم به بهاء الحريري او ما يصدر من انتقادات واتهامات بحق سعد الحريري عبر وسيلة اعلام شقيقه . لكن مصادر سياسية محايدة ترى ان هذه الحملة ليس لها تأثير ملحوظ سيما انها تأتي من شقيق منافس له يسعى لكي يحل محله في قيادة الشارع السني . كما ان نشاط المجموعات التي يدعمها ما زال محدودا وغير مؤثر، ولم يرتق بعد الى تشكيل تيار سياسي او جمهور منافس لجمهور المستقبل.

لكن منافسة «المستقبل» والحريري في الشارع السني لا تقتصر على شقيقه، فهناك قوى وشخصيات سنية اخرى لها دورها وحضورها الفاعل منها المحسوب في فريق ٨ آذار، ومنها ما يمكن توصيفه بالفريق الثالث المتنامي وفي مقدمه تيار العزم للرئيس نجيب ميقاتي الذي حقق نجاحا ملحوظا في الانتخابات وشكل كتلة نيابية، عدا ان انتهاجه سياسة الوسطية والاعتدال تجعله منافسا اساسيا للمستقبل وتساعده في تنامي قوته ودوره . لكن هذا الدور مازال يتركز في الشمال عموما وطرابلس خصوصا بينما يمتد دور ونفوذ «المستقبل» على المناطق كافة وان بنسب متفاوتة.

ولا تستبعد المصادر ان تتوسع رقعة دور العزم الى مناطق اخرى، لكنها تلفت الى ان الرئيس ميقاتي لم يبادر حتى الان الى اتخاذ قرار بمنافسة المستقبل او القيام بنشاطات مؤثرة في مناطق اخرى.

وتكمن قوة ميقاتي في السياسة المدروسة التي يتبعها في قيادة نشاط تياره الذي يغلب عليه الطابع الاجتماعي وفي مجالات الصحة والتربية والتعليم وغيرها، بعيدا عن المناكفات السياسية المباشرة . كما تكمن قوته ايضا في الامكانيات المادية التي يوفرها شخصيا لتياره خصوصا في هذه الظروف الضاغطة والصعبة.

غير ان المصادر السياسية نفسها ترى ان الشارع السني لم يدخل بعد مرحلة الثنائية السنية كما هو حاصل في البيئة الشيعية، لافتة الى ان تيار المستقبل ما زال رغم الظروف التي يمر بها يشكل القوة الاولى في هذا الشارع، لكنه يواجه اليوم منافسة قوية وواضحة من القوى الاخرى الى جانب منافس جديد يتمثل بمجموعات المجتمع المدني التي تسعى الى لعب دور مؤثر في كل المناطق وترجمة حضورها في الانتخابات المقبلة.

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب