حين يقول الفرنسيون للجزائريين «من يحفر في التاريخ لاعادة احيائه كمن يحفر في المقبرة بحثاً عن أحياء»!!

 ولكن أليست مشكلة فرنسا هي في البعد البونابرتي، اياه البعد الأمبراطوري، في الأداء الديبلوماسي كما في الأداء الاستراتيجي؟ الماريشال فيليب بيتان، بطل معركة فردان، ابان الحرب العالمية الأولى، فتح أبواب باريس أمام أدولف هتلر كي لا يسقط حجر في المدينة، ليس فقط لأن التاريخ موجود في كل حجر. قال أمام القضاة الذين حكموا عليه بالاعدام «لو ماتت باريس لماعثر الله على موطئ قدم في  هذه الأرض».

الفرنسيون الذين يسكنهم نابليون بونابرت، كيف لهم أن ينسوا لويس الرابع عشر، وشارلمان، وريشليو، ومازاران، وتاليران، وكليمنصو. أندريه مالرو، فيلسوف «الوضع الانساني»، والذي التحق بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، سأل ساخراً «هل كان حضرة الماريشال (بيتان)يخشى أن يغتصب الفوهرر... الموناليزا»؟

الآن صدام عاصف بين فرنسا والجزائر حول كتابة تاريخ الحقبة الاستعمارية (1830 ـ 1962 ). اذا كان الجزائريون يكتبون تاريخهم كما عاشوه هم، لماذا صدمة ايمانويل ماكرون؟ اذاً، الحساسية التاريخية هي التي جعلته يصف الذاكرة الجزائرية بـ «الذاكرة المستأجرة» ؟

الرئيس الفرنسي وصف نظيره الجزائري عبد المجيد بتون بـ»الرهينة في النظام العسكري المتحجر»، سائلاً ما اذا كانت هناك «أمة جزائرية» قبل الدخول الفرنسي. هذا ما يستدعي السؤال «هل وجدت الأمة الفرنسية مع آدم أم أنها، مثل غيرها من الأمم، نتاج جدلية تاريخية طويلة ودموية ومعقدة»؟

ماذا فعل الغزاة لبناء «الأمة الجزائرية» اذا ما أخذنا بالاعتبار، على الأقل، كلام مارين لوبن التي وصفت التاريخ الجزائري بـ «تاريخ القراصنة» الذين تمكنوا حتى من فرض جزية سنوية على الولايات المتحدة من أجل عبور آمن لسفنها في المتوسط (اتفاقية1795 ).

مؤرخون، وساسة، وفلاسفة، فرنسيون نددوا بالحملات الفرنسية المبرمجة لتقويض التراث الجزائري، بما في ذلك التراث اللغوي، وحيث بدت لغة الجزائريين العاديين مزيجاً هجيناً، وكاريكاتورياً، بالجمع العشوائي بين المفردات العربية والمفردات الفرنسية...

الثورة التي اندلعت عام 1954 هي التي أعادت تشكيل الشخصية القومية للجزائريين، قبل أن تحاول «جبهة الانقاذ» فرض حالة اسلامية مروعة، وحيث قطع رؤوس الأطفال بالمناجل.   خلفيات أخرى للصدام غير الكراهية المتوارثة. الفرنسيون تعاملوا بصورة همجية مع «أبناء البلد»، وانتهجوا سياسة الاستيطان بالاستيلاء القسري على الأراضي، والى حد اعتبار الجزائر مقاطعة فرنسية، وهي الفكرة التي ترسخت لدى الجنرلات الذين قاموا بانقلاب فاشل ضد الجنرال شارل ديغول، المتوجس من أن يدخل رئيس مسلم الى الاليزيه.

هذا اذا أغفلنا ما فعلته، وتفعله، التجارب النووية، والنفايات النووية، بالجزائريين حتى الآن...

الفرنسيون الذي ينحسر دورهم الجيوسياسي، والجيوستراتيجي، في افريقيا، لاحظوا أن القيادة الجزائرية تتقاطع، في أكثر من مكان، مع القيادة التركية للحلول التدريجي محل الوجود الفرنسي، وان بات معلوماً أن صراع الأسواق، والاستثمارات، قائم على قدم وساق، بين الأميركيين، والروس، والصينيين، خصوصاً وأن تقارير الجهات المختصة ما زالت تعتبر أفريقيا ليست فقط الطريق الى الذهب، وانما الى كل المعادن الثمينة الأخرى.

المثير أن أنقرة، وبالسياسات الزبائنية التي اشتهرت بها ابان حكم رجب طيب اردوغان، نصّبت نفسها محامية عن الجزائر، كما لو أن الدبابات التركية ليست موجودة في سوريا، وفي العراق، وحتى في ليبيا. كل هذا من أجل اعادة الحياة الى سلطنة كرّست بقاء العرب، لأربعة قرون (شهدت بزوغ، وانتشار،عصر الأنوار في أوروبا)، على مسافة ضوئية من الثورة الصناعية، والثورة التكنولوجية  وحتى الثورة الفلسفية.

كمشرقيين (لكأن قلوبنا انتقلت الى هناك مع تغريبة بني هلال)، نتساءل أين هي الجزائر الآن، وبالامكانات الهائلة 2382000 كيلومتر مربع، و44 مليون نسمة؟

اثر تلك السنوات من الديبلوماسية الفذة، ومن الدور الطليعي (والثوري)، ضبابية في المواقف، وضبابية في السياسات، مع الابتعاد الكلي عن القضايا المحورية في العالم العربي، حتى انني سمعت من وزير جزائري قوله «ما لنا والغوص في تلك الوحول». هل تحولنا، فعلاً الى وحول بشرية؟

الجزائر التي طالما تظاهرنا من أجل حريتها، وكانت أمهاتنا يمضين الليالي الطويلة وهن يحكن كنزات الصوف لثوارها، لم تعد هناك.

أيها الجزائريون، اياكم والقاطرة العثمانية. أنتم الذين يفترض أن تكونوا... القاطرة!

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب