أوساط ديبلوماسية: يُمكن للبنان استثمار ثروته النفطية باتفاق ضمني لا يعتبر الآبار هدفاً استراتيجياً

إذا حصل إتفاق سرّي وغير مُعلن بين مسؤولين لبنانيين و«إسرائيليين» حول التقاسم فيُمكن اعتباره «خيانة»


انتظر لبنان بعد تعليق المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية والنزاع على حقوق التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرقي البحر المتوسط بينه وبين العدو الاسرائيلي للمرة الأولى بعد انطلاقها في 14 تشرين الأول، ثمّ تعليقها بعد أربع جولات في 11 تشرين الثاني من العام الماضي، أن تقوم إدارة الرئيس الأميركي المنتخب (في حينه) جو بايدن بتعيين وسيط جديد لإعادة انطلاقها. وكانت المفاجأة أن استؤنفت هذه المفاوضات في 4 أيّار الماضي في جولة خامسة، مع الوسيط نفسه الذي عيّنه الرئيس السلف دونالد ترامب أي جون ديروشيه، لتُعلّق للمرة الثانية بعد يوم واحد من دون التوصّل الى أي اتفاق، أو تحديد أي موعد للجولة السادسة، بل جرى تأجيلها الى أجل غير مسمّى.

غير أنّ بايدن الذي يبدو أنّه «تفضّى» أخيراً لمسألة ترسيم الحدود البحرية، قد عيّن في 10 آب الماضي المبعوث الخاص للولايات المتحدة ومنسّق شؤون الطاقة الدولية، آموس هوكشتاينمستشاراً أولاً لأمن الطاقة، وأوكل اليه مهمّة الوسيط الجديد في المفاوضات، لحلّ هذا الصراع. ويشير هذا التعيين الى أنّ حلّ النزاع الحدودي بين لبنان والعدو الإسرائيلي بات يُمثّل أولوية لإدارة بايدن. فمن هو هوكشتاين الذي يصل الشهر الجاري الى لبنان لتحريك المفاوضات للمرّة الثالثة، علّها تكون الثابتة، وما هي اقتراحاته للتوصّل الى حلّ نهائي، وهل أنّ مهمّته ستقتصر فقط على ترسيم الحدود البحرية أم ستكون موسّعة لتشمل الحدود البريّة أيضاً وإنهاء الصراع تحت عنوان «التطبيع»؟ وهل سيوافق لبنان على مقترحات هوكشتاين حتى لو حملت في طيّاتها تنازلاً عن حقوقه في ثروته النفطية، أو جرى اتهام المتنازلين بالخيانة العظمى؟!

قد يظنّ البعض أنّ إسم هوكشتاين طارئ على المفاوضات، أو لا علاقة له بها، غير أنّه يتبيّن له سريعاً أنّه مخطىء عندما يطّلع على تاريخ هذا الرجل فيما يتعلّق بلبنان والمنطقة. وتقول المعلومات بأنّ هوكشتاين عمل مستشاراً للرئيس بايدن عندما كان عضواً في الكونغرس، وللرئيس الأسبق باراك أوباما. كذلك تولّى المفاوضات مع المسؤولين اللبنانيين التي أوصلت الى «اتفاق الإطار» الذي أعلنه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بعد جهود دامت 10 سنوات، كأساس للتفاوض على الحدود. وهذا يعني بأنّه ليس جديداً في هذه المفاوضات بل سبق وأن قدّم بعض الإقتراحات تتعلّق بالمثلث البحري الذي يُعتبر اليوم ضمن الخط القديم أي الخط 23 الذي كان يُفاوض لبنان عليه ولا تتعدّى مساحته 860 كلم2، فيما الخط الجديد أي الـ 29 الذي يُفاوض على أساسه لبنان حالياً فهو الخط 29 الذي يُضيف الى المثلث مساحة 1430 كلم2، ما يجعلها منطقة نزاع موسّعة من 2290 كلم2.

غير أنّ ما يُقلق في الأمر أنّ هذا الديبلوماسي الأميركي قد وُلد في «إسرائيل» من والدين من المهاجرين اليهود الأميركيين، وخدم عسكريته فيها، ما يعني أنّه سينحاز حتماً الى العدو الإسرائيلي في أي اقتراح سوف يقدّمه خلال المفاوضات المقبلة، ما قد يؤدّي الى خسارة لبنان لقسم من حقوقه البحرية، سيما وأنّ اقتراحه السابق قضى بأن ينال لبنان ما أعطاه إيّاه «خط هوف» في المثلث البحري، أي نسبة 55 % منه، على أن تبقى نسبة الـ 45 % التي منحها العدو من دون وجه حقّ، بقعة مفتوحة يُمكن أن يتمّ تقاسم ثرواتها النفطية والبحرية عن طريق شركة أميركية تعمل على توزيع عائداتها على لبنان والعدو الإسرائيلي وفق أرباح معيّنة يتمّ التوافق عليها.

وفي حال عاد هوكشتاين في محاولة لتنفيذ اقتراحه بتقاسم الثروات عبر طرف ثالث يكون شركة أو تحالف شركات عالمية مرموقة، تقوم هي بالإنتاج وبتوزيع الحصص بين الجانبين عبر اتفاقين منفصلين مع الشركة، أو أعطى مقترحات جديدة تصبّ في السياق نفسه، فهل تكون اقتراحاته مقبولة من لبنان وقابلة للتطبيق تقنياً وسياسياً، لا سيما بين بلدين عدوين، أم أنّه سيكون على لبنان التطبيع مع «اسرائيل» للقيام بتسوية من هذا النوع، تجيب أوساط ديبلوماسية متابعة لملف ترسيم الحدود بأنّه إذا كان بلدان في حالة حرب، مثلما هو الحال بين لبنان والعدو الإسرائيلي، فإنّ ضرب الأهداف الإقتصادية التي تغذي الآلة الحربية يصبح أمراً مشروعاً، كالنفط الذي يستعمل كطاقة مسيلة لتحريك الجيوش.

ثمّة ضوابط معينة فرضها القانون الدولي، تضيف الاوساط، وهي عدم تعريض المدنيين للخطر أو للإبادة عند تنفيذ العمليات الحربية، مثل الحصار الإقتصادي الذي يؤدّي إلى مجاعة. لكن الدول عندما قامت بهذه الإجراءات كانت تدّعي أنها لم تكن تستهدف المدنيين، إنّما المواد الاستراتيجية والمصانع التي تنتج السلاح والسدود التي تنتج الكهرباء...الخ، ثم يتضح لاحقاً، أنّ استهداف المدنيين كان مقصوداً ، وأنّ جرائم الحرب رأى مرتكبوها بأنّها ضرورية لإضعاف الروح المعنوية للعدو وإجباره على وقف الحرب أو الإستسلام. وأضافت الاوساط أنّه في الحرب العالمية الثانية، أجرى الحلفاء محاكمات دولية ضد مجرمي الحرب الألمان واليابانيين، ولكن هنالك جرائم حرب لم يثرها الحلفاء لأنهم هم أيضاً ارتكبوها (من الضربات الجويّة ضد المدن الى الحصار البحري الذي أدّى إلى المجاعة، الى استعمال الغواصات ضد السفن التجارية). وهذا يعني أنّه في الحروب، تحاول الدول ضرب القاعدة الاقتصادية التي تدعم القوة الاستراتيجية للطرف الآخر، لا أن يتعاونا مع بعضهما لاستخراج النفط والغاز مثلاً.

غير أنّ مقاربة الحالة بين لبنان والعدو الإسرائيلي فمختلفة، على ما أوضحت الاوساط، لان هنالك «حالة حرب»،وهي ليست ساخنة، لكنّها ليست باردة أيضاً، ولا هي بحالة «لا حرب ولا سلام». ولم يحظ لبنان بعد حرب تمّوز-آب 2006، بوقف إطلاق نار أو إتفاق هدنة جديد، بل بتعليق للعمليات الحربية. ولهذا، فإنّ عمليات الإستطلاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والإغتيالات، والقصف الصاروخي، هي بعض معالم حالة الحرب السائدة بين لبنان والعدو،ولو كان لدينا وقف إطلاق نار، فإنّ خطوط القتال تتجمّد برّاً وجوّاً....وبحراً، وهنا بيت القصيد. لو كانت الخطوط البحريّة معلّمة ومعروفة، لكان بالإمكان وقف العدو الإسرائيلي عند حدّه «البحرّي».

من هنا، أكّدت الاوساط أنّ الخطر حالياً لا يأتي من أنّ لبنان لم يُسجّل بعد مرسوم الإحداثيات الجديدة في الأمم المتحدة، في حال عاد مجدّداً الى طاولة المفاوضات مع العدو الإسرائيلي بوساطة أميركية، جديدة أو قديمة، إنمّا الخطر الحقيقي يكمن في أنّ»الحركة الإسرائيلية» في البحر يمكنها أن تخلق حقائق جديدة وخطوطا جديدة لا يمكن نقضها بذريعة الحرب، غير أنّ ذلك يبدو تحليلاً بارداً قانونياً. يبقى السؤال الأهمّ: هل يمكن استثمار ثروة لبنان النفطية في حالة الحرب مثلما هو وضعنا الحالي مثلاً، ومن دون حصول عملية تطبيع أو عقد معاهدة سلام؟ طبعاً، ممكن إذا كان هنالك اتفاق ضمني بين الطرفين المتخاصمين على أن يقوم كلّ واحد منهما بما يقتضيه، وعدم اعتبار الآبار النفطية هدفاً استراتيجياً يمكن ضربه في أي وقت. والجدير ذكره هنا، زراعة الأراضي المنزوعة السلاح بين سوريا ومصر وبين العدو الإسرائيلي بعد حرب 1948. لكن يبقى السؤال الأبرز: من سيرسم الخط الوهمي البحري (أي غير الملموس) على الخرائط، الذي لا بدّ من رسمه، والذي سيقبله الطرفان المتنازعان؟

وعمّا إذا كان يُمكن اتهام المسؤولين بالخيانة العظمى في حال وافقوا على تقاسم ثروة لبنان النفطية مع العدو الإسرائيلي، وإن كان ذلك سيحصل بالتوافق غير المباشر بينهما، على ما يقترح هوكشتاين، عبر شركة أميركية تضع العائدات النفطية في «صندوق سيادي» موحّد، كما يسمِّيه، على أن يتم توزيعها على لبنان والعدو الإسرائيلي بحسب إتفاقية معيّنة، أشارت الاوساط الى أنّ الأمر يكون عندها شبيهاً بعمل المليشيات اللبنانية التي كانت تنسّق وتتقاسم رسوم العبور على المنافذ أثناء الحرب الأهلية، وتُطلق النار على بعضها البعض وهمياً في الصباح. ووصفت الاوساط»الصندوق» بأنّه»اتفاق مصلحي مبني على النفاق.

وعقّبت الأوساط عينها بأنّ «الخيانة نقيض الأمانة، وهي نقض العهد بالسرّ، والإستبداد بما يؤتمن عليه الإنسان من الأموال والأعراض والحرم. فإذا حصل إتفاق بالسرّ بين مسؤولين لبنانيين و»إسرائيليين» حول تقاسم الثروة النفطية، ولو كان عن طريق طرف ثالث، وظل هذا الإتفاق غير معلن، فيمكن اعتباره خيانة. أمّا الخيانة العظمى فهي جريمة مواطن ضدّ دولته. فإذا خانت الدولة مواطنيها، هل يُعتبر ذلك خيانة عظمى؟ اللهم إلا إذا اعتبرنا أنّه بموجب النظام الجمهوري، فإنّ الحكم للشعب. فإذا خان رجال الدولة شعبهم وأمانتهم، فقد ارتكبوا هم خيانة عظمى».

وشدّدت الأوساط عينها على أنّ لبنان لا يؤيّد التطبيع مع العدو الإسرائيلي، وهو يعلم بأنّ التفاوض مع «الإسرائيليين» ليس بالنزهة، علماً بأنّ موضوع ترسيم الحدود ليس تقنياً فقط، بل هو سياسي بحت، وعلى المسؤولين اللبنانيين أن يُحسنوا التصرّف بما فيه مصلحة لبنان وشعبه. ولهذا يصرّ الوفد اللبناني العسكري المفاوض على انطلاق التفاوض من نقطة رأس الناقورة وفق ما نصّت عليه اتفاقية «بوليه نيوكومب» (عام 1923)، ومن النقطة 29 بدلاً من الـ 23، وعدم احتساب أي تأثير لصخرة تخليت كونها غير قابلة للسكن، ولا تنطبق عليها مواصفات الجزيرة، وتُخالف اتفاقية البحار الصادرة عام 1982.

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب