عضو هيئة الرئاسة لحركة أمل

أربعون يوماً انقضت والغياب يستحيل حضوراً، غادرنا الشيخ عبد الأمير قبلان غير تارك وودعناه وما هو بمفارق، نراه يشق صفوف المحتشدين في القرى والمدن والدساكر ليعبر الى ناد حسيني يقول كلاماً على شكل صفعات في الزمن الصعب في وجه محتل صهيوني، أو عابث يستهدف مصالح الناس وأرزاقهم، لا يغيب عن حل نزاعات القوم وإن كانت بالغة في التعقيد يتندر الناس على طريقته في انتشال العديد من الناس من هوة الصراعات الى سمو الود والمحبة، وهو المعروف باستقبالاته التي لا يكل فيها ولا يمل وما يعرف بالباب المفتوح على مقياس النظم الإدارية والبروتوكولية الحديثة، وقبل هذا أو ذاك فللشيخ عبد الأمير قبلان طول باع في العمل الاجتماعي وتعميم الفكر الديني الذي يبني الانسان لأجل مجتمع واعد فيه احترام الانسان لأخيه الانسان لأي طائفة أو مذهب انتمى، وحدوي في مواقفه، وطني في سلوكه، ينحاز الى كل قضية تستكمل أنصبة الحق والحقيقة وعلى رأسها فلسطين.

   منذ حضوره الى لبنان من النجف الأشرف مطلع 1963 معززراً بإجازات العلماء وشهادات كبار المراجع، إذ نال اجازتين في الاجتهاد من العلامة الحجة السيد اسماعيل الصدر والسيد كاظم شريعتمداري، ويكفي ما منحه اياه الامامان السيد أبو القاسم الخوئي والسيد محسن الحكيم، والسيد حسين الحمامي من وكالات عامة شرعية إذ يشيرون الى مزاياه العلمية في نشر العلم والثقافة في العراق مع تأكيده على ضرورة حل المشكلات الاجتماعية بطريقة مؤسساتية ناقلاً هذه التجربة الناجحة الى برج البراجنة التي كانت محط رحاله بعد عودته من النجف الأشرف، فعلى يديه تفتحت ظامئات الزهر، وأتلعت تلك الزيتونة جيدها لتنداح العتمة وتظهر صروحاً تبدو للرائي نادياً حسينياً ومدرسة ومسجداً ومستوصفاً ومكتباً. يتابع شؤون الفقراء والمعذبين هذا المناخ الذي عمل فيه من أجل الانسان والوطن من الطبيعي أن يكون الامام الشيخ عبد الأمير قبلان أول المبادرين لالتقاط فرصة تاريخية للوطن خاض غمارها الامام المغيب القائد السيد موسى الصدر أعاده الله الى ساحة جهاده، فكان مواكباً وحاضراً ولصيقاً به يحلو له أن يردد في خطبه أن الامام الصدر أمل المعذبين وصرخة مستمرة في وجه الطغاة، ولذلك فإن المتتبع لمسيرة الامام المغيب يلاحظ الحضور الدائم  للشيخ قبلان الى جانبه مع الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين الذي واكب هذه المسيرة، وإن كان هذا لا يعني غياب آخرين إلا أن الحضور الدائم في المواقع الكثيرة والمواقف الصعبة من ساحل لبنان الى جبله ومن جنوبه الى شماله وفي حله وترحاله وأسفاره.

ومن البدايات مع رحلة تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وما رافق ذلك في مصاعب الولادة الى مواكبة حراك الإمام في القرى الأمامية من كفرشوبا وقرى العرقوب وركام مسجدها يشهد لهذا الحضور مع علماء ومقاومين وصامدين مناضلين في زمن تركت فيها الناس لأقدارهم وكانوا لهم ناصرين. 

والمؤتمر الصحفي الذي عقده الامام الصدر  في المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى لاعلان ولادة أفواج المقاومة اللبنانية أمل اثر انفجار لغم عين البنية في 5 تموز 1975 في هذا المؤتمر اختار الامام الصدر أن يكون بجانبه الشيخ عبد الأمير قبلان حافظاً لسره ورفيقاً  لدربه، ويومذاك حمل الامام ورقة كتبها جريح أمل بدمه «كونوا مؤمنين حسينيين».

   وفي القضايا المصيرية والمهمات الصعبة والدقيقة والحساسة يقع عليه الاختيار، وإذا أردنا الاسهاب في الحديث عن رحلة العذاب الشاقة من أجل المحرومين  والمعذبين وحماية الأرض والانسان في وجه العدو الصهيوني فقد يطول بنا المقام لسرد هذا الحضور للشيخ قبلان مع الامام الصدر بل يحتاج الى كتابة مئات الصفحات في الوقت نفسه، فالموضوع لا يحتاج الى اثبات انما يمكن أن نورد الكثير من المهام التي أوكلت للامام الشيخ قبلان اذ نشير الى مهمة أوكلت اليه والى بعض المقربين من الامام الراحل كالوزير الأسبق الشاعر الدكتور سليم حيدر.

وحسب جريدة النهار 14 شباط 1975 وما تم توثيقه في موسوعة مسيرة الامام السيد موسى الصدر الجزء الخامس وثيقة رقم 10/14-2-75 فقد ورد ما يلي: دعا الشيخ عبد الأمير قبلان والوزير السابق سليم حيدر عضو المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى العائدين من مؤتمر لمجلس الدفاع العربي المشترك في القاهرة دعا الى مؤتمر صحفي حضره الامام الصدر  ونقيب الصحافة رياض طه، وكان في هذا المؤتمر للامام كلمة مدوية تحدث فيها عن تدهور الوضع في الجنوب لجهة الاعتداءات الصهيونية وكيف تُرك الجنوبي لمصيره دون حماية ولا رعاية، وأكد الامام الصدر ان تحركنا تحرك ذاتي عميق منبثق من مقدار  ولائنا الوطني بالإضافة الى ايماننا الذي يدعونا الى التحرك.

وكان آخر عمل والكلام للامام الصدر هو ايفاد بعثة الى مؤتمر القاهرة الأخير، وأما الحديث عن اللياقات الدبلوماسية والأعراف الدولية فهو في رأينا في غير محله فكل شيء يهون وكل الأعراف تسقط امام الخطر المحدق في الوطن.

أوردت تفاصيل هذه المهمة غير العادية التي أوكلها الامام الصدر الى شخصية استثنائية من وجهة نظره لأنها مهمة رؤساء ووزراء وقادة جيوش، ولكن عندما تخلى الجميع عن القيام بواجباتهم كان خيار الامام الصدر أن يلجأ بنفسه الى مجلس الدفاع العربي المشترك ممثلاً بكبيرين: الشيخ قبلان والوزير حيدر، وهذا الأمر ليس إلا احد أدلة حضور الشيخ قبلان في مسيرة المحرومين مسيرة أمل.

واستمرت مواكبة سماحة الشيخ لمسيرة حركة أمل حيث بقي رئيساً للهيئة الشرعية في الحركة مواكباً ومدافعاً ونصيراً لها جنباً الى جنب مع الأخ الرئيس نبيه بـري اذ بادله الوفاء بالوفاء، وان ما ورد في كلمة الرئيس نبيـه بري ناعياً الراحل الشيخ عبد الأمير قبلان هو خير دليل على صدق العاطفة النابعة من تاريخ مشرق فيه أواصر المحبة وصلابة العلاقة بينهما إذ قال فيه: « قامة وطنية وظل من ظلال الامام السيد موسى الصدر».

علاقة في مكنوناتها ماض لا يمضي لمستقبل يستضيء بثوابت لن تنقطع، والرهان دائماً بالاستمرار على الدرب    

      فالنخل لو مات لا تحنو قوائمه          كحده السيف مشحوذاً وان غمدا

وداعاً أيها الراحل والى اسرتك ومحبيك العزاء.

     «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين».

صدق الله العلي العظيم

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب