لبنان العراق الآخر أم العراق لبنان الآخر؟؟

ونستون تشرشل أعاد السبب في بقاء البلقان على خط الحرائق الى كون المنطقة تنتج من التاريخ أكثر بكثير مما تستوعب. في الشرق الأوسط، المنطقة تستهلك من التاريخ أكثر بكثير مما تنتج. كانت لافتة ملاحظة الانكليزي ديزموند ستيوارت أن الأمم الأكثر كلاماً في التاريخ (وايغالاً في التاريخ) الأمم التي مات فيها... التاريخ!

لا شك أن بلاد الرافدين أكثر ثراء في الأساطير، وفي التاريخ، من لبنان الذي تاريخه قد يكون تاريخ الطوائف، وتاريخ الغزاة. ولكن ألا يجمع اللبنانيون والعراقيون أنهم موزعون على كل بلاطات، وكل خنادق، المنطقة، وما بعد، ما بعد المنطقة؟

تحدثنا عن الانتخابات التشريعية في لبنان، وما يمكن أن تأتي به الصناديق. الأوليغارشيا الحاكمة تعيد انتاج نفسها بابدال الألواح الخشبية بألواح من الخزف. هذا ما حدث في العراق. الذين تظاهروا في الشوارع من أجل التغيير تحولوا الى أثر بعد عين، حين دقت ساعة الحقيقة (ساعة اللاحقيقة). الظاهرة الدينية لم تقتل الظاهرة السياسية فحسب. قتلت ايضاً الظاهرة الاجتماعية...

مقتدى الصدر في الطليعة. اذاً، العودة الى الدوامة مع الرجل الذي يشبه الدوامة. لا أحد يدري أين يضع قدميه، أو أين يضع رأسه. لأيام يظهر في وسط الحلبة، ويعد بتغيير شكل الكرة الأرضية. لا يلبث أن يختفي، ربما لأن  الوضع في العراق، لا سيما بشقيه الاقليمي والدولي، أكثر تعقيداً بكثير مما يفكر به الرجل الذي كل ما لديه من رصيد سياسي ما ورثه عن العائلة. أهكذا يبنى البلد؟

اذ لا مجال لاغفال الدور الذي اضطلع به مصطفى الكاظمي للحد من تسونامي الفساد، أو لاحتواء حالة التشرذم السياسي والطائفي، أزمة رجال دولة...

هذا لدى السنّة، وقد تفرقوا أيدي سبأ بعد زوال صدام حسين. واذا كانت الطائفة السنية قد أصيبت في القلب لظهور حالات هجينة مثل أبي مصعب الزرقاوي، وأبي بكر البغدادي، لا يعاني الشيعة فقط من النقص المروع في رجال الدولة، ومن الفائض المروع في رجال الدين. انهم يعانون من حالات مبرمجة استخباراتياً لتقويض المذهب الشيعي عقائدياً، وفلسفياً، وحتى أخلاقياً.

رجال دين على المنابر، أو على الشاشات، يخرجون بفتاوى، وبمواعظ، تشكل اهانة للعقل، واهانة للتراث، واهانة للجنس البشري. لا ندري كيف تسكت المرجعية عن ذلك الوباء القاتل. هذا ليس بارث علي، ولا يمت بصلة الى عبقرية علي... لا نشكك بشفافية أصوات لبنانية تدعو الى ازالة المنظومة القائمة. المشكلة أن طروحات أصحاب هذه الأصوات أقرب الى التخيلات الأفلاطونية، ان لم نقل أقرب الى التخيلات الدونكيشوتية.

الأحداث، بكل أهوالها، أظهرت استحالة زحزحة، وزعزعة، المنظومة التي تمتلك من الحنكة، ومن المراوغة، ومن المكيافيلية، ما يجعلها تتقيأ نفسها في صناديق (توابيت) الاقتراع، وان بشكل كاريكاتوري. هكذا تحدث كارل ماركس عن التاريخ الذي يتقيأ نفسه.

المعترضون (المستقلون) في العراق بدوا في قعر الصناديق. الكتل الكبرى تمسك، ثانية، بمفاصل الدولة. أحد الناخبين قال لقناة تلفزيونية «لم أعرف من مقتدى الصدر سوى الصراخ في بغداد، والبكاء في كربلاء. أين العراق من ثقافة الصراخ وثقافة البكاء»؟

في لبنان، حيث يحلم مئات آلاف الناخبين بالفريش دولار، ثمة قوى تغييرية، (التغيير لمصلحة الشخص لا لمصلحة البلد) قصدت السفارات، والمنظمات غير الحكومية، من أجل تمويل حملاتها. كيف يمكن أن تكون النتيجة؟ أسماء جديدة محدودة العدد، ومحدودة التأثير، تطفو على السطح، ولا تملك سوى أن تصرخ على السطح.

هذه منطقة لم يمت فيها التاريخ فحسب. مات فيها الزمن. آه فرانز كافكا حين تحدث عن «أنين الزمن»!

لبنان باق كما هو (المغارة الخالية من أهلها). غداً، اخواننا اللاجئون الفلسطينيون، والنازحون السوريون، أكثرية ديموغرافية وتحكم. اللبنانيون اقلية وتلوّح بالمناديل عند ضفاف المتوسط...

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق