هل نحن على عتبة انفجار ثان تفوق تداعياته انفجار مرفأ بيروت؟

التطورات والمعطيات المتوافرة على ضوء ما احدثته قرارات المحقق العدلي طارق البيطار منذ تسلمه مهمته بالتحقيق في الانفجار تؤشر الى ان المسار الذي سلكه من البداية بمواكبة اعلامية وسياسية خارجية وداخلية استرشد بوصلة موجهة الى اتجاه دون سواه، فاقتصرت استدعاءاته واتهاماته على بعض الوزراء السابقين وعلى رئيس الحكومة السابق المستضعف حسان دياب دون سواهم من المسؤولين الكبار الذين تعاقبوا على الحكم منذ حادثة انزال المواد القابلة للتفجير من السفينة المجهولة الهوية حتى الآن الى عنابر مرفأ بيروت.

ولأن الحصانات لم ترفع عن الجميع، ولأن التحقيق لم يكن شاملا، ولأن مساره التقني والقانون كان باتجاه فرضية دون الفرضيات الاخرى، زادت الشكوك تدريجا في دخول عنصر التسييس لهذا التحقيق الى ان وصلت وفق المعطيات والوقائع التي يملكها المعترضون الى نقطة الضوء الفاقعة التي لا يمكن السكوت او التهاون معها، فكان الموقف الاخير الصريح والواضح للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله المطالبة بتبديل المحقق البيطار وتصويب مسار التحقيق بعيداً عن الاستنسابية والتسييس، ثم كان موقف وزراء الثنائي الشيعي والمردة في مجلس الوزراء اول امس واصرارهم على ان يتحمل المجلس مسؤوليته لاستبدال البيطار المتهم بالاستنسابية والتسييس والخضوع للاملاءات الخارجية والداخلية.

مضبطة اتهام للقاضي البيطار تلاها الوزير محمد مرتضى امام مجلس الوزراء وعلى مسمع رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء وتوجها بطلب استبدال قاضي التحقيق بكلمة شديدة اللهجة والمغزى تعكس اصرار الثنائي الشيعي على اولوية هذا الطلب الجدي والحاسم قبل اي شيء آخر.

وقبل التطورات الاخيرة كان لمجلس النواب ولرئيسه موقفا واضحا من خلال التأكيد على عدم قانونية قرارات القاضي بيطار لأن ما اقدم عليه ليس من اختصاص القضاء العدلي بل يتعلق بأحد الرؤساء والوزراء الذين تعود ملاحقتهم الى المجلس النيابي والمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وتكرر هذا الموقف غير مرة الى الأمس حيث وجهت الامانة العامة للمجلس كتابا الى وزارة الداخلية والبلديات ذكّرت فيه ان مجلس النواب ابلغ النيابة العامة التمييزية بواسطة وزارة العدل ولاكثر من مرة موقفه من ان ملاحقة الرؤساء والوزراء يعود الى المجلس النيابي والمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وفقا للمواد 70 و71 و80 من الدستور الذي سبق وانتخب واقسم اليمين.

واكد البيان ان هذا الامر لا يعود اختصاصه للقضاء العدلي، وبالتالي فان اي اجراء من قبله يتعلق باحد الرؤساء والوزراء والنواب يعتبر تجاوزا لصلاحياته.

وهذا يعني بعد كتاب الامانة العامة للمجلس ان قرار بيطار توقيف النائب علي حسن خليل وقبله الوزير يوسف فنيانوس او اي قرار مماثل يعتبر غير قانوني ولا يجوز تطبيقه او السير به من قبل اي جهة.

ووفقا للمعلومات فان الثنائي الشيعي وصل الى قناعة حاسمة بأن مسار التحقيق المضغوط بالتهويل الخارجي والداخلي او بامور اخرى لا يمكن السكوت عليه بعد اليوم، وان المطالبة بكف يد البيطار امر لا رجوع عنه ولا مهادنة او مداورة حوله.

وهذا الموقف كان واضحاً في جلسة مجلس الوزراء اول امس وبقي على حاله في الاتصالات والمداولات المكثفة التي جرت منذ ليل اول امس وطوال امس حتى ساعات الليل المتأخرة.

وفي المقابل بقي رئيس الجمهورية مصرا على رفض اتخاذ مجلس الوزراء اي موقف او قرار بهذا الخصوص مؤكداً على مبدأ فصل السلطات، ومتجاهلا الموقف المتعلق من تجاوز المحقق العدلي صلاحياته والقاضي بأن يترك هذا الأمر اي موضوع الاتهام والتحقيق لمجلس محاكمة الرؤساء والوزراء.

وقيل ان الرئيس ميقاتي نشط بالتعاون مع وزير العدل وبالتشاور مع رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي لايجاد مخرج قانوني ينزع فتيل هذه الازمة اولا، ويحول دون ان تتطور الامور الى انقسام حاد داخل مجلس الوزراء الذي كان مقررا ان يتابع جلسته بعد ظهر امس، لكن الاقتراحات والصيغ لم تكن على مستوى مطلب الثنائي الشيعي والمردة، الامر الذي دفع رئيس الحكومة وبعد الاتصال بالرئيس عون الى ارجاء الجلسة حتى اشعار آخر.

ما هو هذا الاشعار؟ ببساطة وبوضوح، لن يلتئم مجلس الوزراء قبل حل مسألة القاضي بيطار لأن وزراء الثنائي الشيعي والمردة وربما وزراء آخرون لن يحضروا اي جلسة قبل حسم هذا الموضوع وربما ذهبوا الى الاعتكاف الكامل والى ابعد من ذلك، كما يرشح عن مصادر الثنائي خصوصا ان ما جرى على صعيد مسار التحقيق يؤشر، حسب المصادر، الى استهداف سياسي واضح للثنائي الشيعي وللمقاومة وحلفائها، وهذا ما عبر عنه النائب حسن فضل الله في رده على بيان وزارة الخارجية الاميركية امس.

ويقول مصدر سياسي مطلع ان ارجاء جلسة الامس كان اجراء حكيما ومطلوبا لان انعقادها من دون حسم قضية المحقق البيطار كان سيؤدي الى انقسام حاد داخل مجلس الوزراء والى مضاعفات قد تطيح بالحكومة او تحدث فيها على الاقل شرخاً كبيراً يؤدي الى شلّ عملها وتحويلها الى حكومة تصريف اعمال.

ويعتقد المصدر ان وتيرة السعي لايجاد مخرج قانوني لهذه الازمة يجب ان تكون سريعة للغاية خشية ان تنتقل الامور الى الشارع خصوصا في ظل تزايد السخط والتوتر لدى جمهور حزب الله وامل، والدعوات عبر وسائل التواصل الى التظاهر والاعتصامات. وقيل ان مسيرة ستعقد اليوم الى قصر العدل في اطار تحرك قد يتدحرج الى مسيرات وتظاهرات مماثلة في اكثر من مكان.

وينقل عن مصادر الثنائي الشيعي ايضا ان تعيين البيطار جاء بمرسوم ويمكن كف يده بمرسوم ايضا، رغم ان الصيغة الافضل من خلال بت مجلس الوزراء بهذا الامر، ومن خلال وزير العدل ومجلس القضاء الاعلى.

والى جانب هذا المناخ الساخط والناقم لدى اوساط الثنائي الشيعي فان الاستياء بدا شديداً من خلال تغريدة المفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان امس واتهامه البيطار بانه في طريقته «ادخل البلد في المجهول ووضع الدولة في النفق»، وحوّل السفارات بابا عاليا وقوة تأثير فوق السلطة السياسية والقانونية، ويكاد يحوّل الحكومة الى متاريس يدفع بالبلد والشارع نحو كارثة، لذلك مطلوب اقالته الآن، وحذار من اللعب بالنار.

ولا يأتي هذا الغليان من سراب، فهناك مؤشرات ومواقف تزيد من شكوك الثنائي الشيعي الى حد اليقين لعل ابرزها الموقف الاميركي الصادر على لسان وزارة الخارجية بالامس بعد خطاب السيد نصرالله والذي ركز على حزب الله في معرض حديثه ومطالبته السلطات اللبنانية بان «يكون القضاة في مأمن من التهديدات والتهريب بما في ذلك حزب الله».

ويقول مصدر نيابي في الثنائي الشيعي ان بيان الخارجية الاميركية يشكل دليلا واضحا وصريحا وسعيا اكيدا لتوجيه التحقيق نحو حزب الله الذي ذكر ثلاث مرات في البيان المقتضب.

ويضيف المصدر اليس هذا تدخل في شأن القضاء والتحقيق القضائي، اليس هذا تهويل وتهديد صريح للتحقيق، ولمسار العدالة في شأن كارثة انفجار المرفأ؟

ويلفت المصدر الى ان هناك من في الداخل سارع الى ملاقاة البيان الاميركي بتصريح نسخة طبق الاصل، عندما طالب رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع رئيسي الجمهورية والحكومة مجتمعة برفض ما وصفه «الاذعان لترهيب حزب الله»، وهي العبارة نفسها التي استخدمها بيان الخارجية الاميركية.

ويعتقد المصدر ان تناغم مواقف البعض في الداخل مع الموقف الاميركي يصب في اطار استخدام هذه القضية لاغراض سياسية عديدة تبدأ من الضغط على حزب الله وحلفائه وتنتهي عند تحضير «عدّة الانتخابات النيابية لمحاولة قلب المعادلة السياسية».

وهذا الامر عكسه ايضا النائب حسن فضل الله في رده على بيان الخارجية الاميركية عندما اكد انه يندرج في اطار «محاولة مكشوفة لترهيب المسؤولين اللبنانيين بهدف منعهم من اعادة التحقيقات الى مسارها القانوني واخراجها من دائرة التسييس؟!

واشار الى ان هذا التدخل هو «الجزء الظاهر من حجم التدخل الاميركي المباشر في التحقيقات لحرفها عن مسارها الصحيح بغية ابقائها ضمن جدول التوظيف السياسي الاميركي لتصفية الحسابات مع المقاومة وحلفائها في لبنان. ونحن امام انتهاك اميركي جديد للسيادة اللبنانية».

الأكثر قراءة

«عرض عضلات قواتي» ومخرج الراعي للاستدعاءات موضع بحث بعد رفض باسيل