دخلت البلاد في مسار الحديث عن حمى المعارك الإنتخابية في الدوائر والمحافظات، وفي ربط التحقيق بانفجار مرفأ بيروت بصناديق الإقتراع، قبل أن تقوم حكومة نجيب ميقاتي بإنجاز أي إصلاح مطلوب منها. كما أنّ الإنهيار لا يزال مستمرّاً فيها على جميع الأصعدة، ولا يدفع ثمنه سوى المواطن الذي يزداد فقراً في ظلّ الغلاء الفاحش للأسعار وعودة الدولار الأميركي الى الإرتفاع مقابل انخفاض القيمة الشرائية لليرة اللبنانية، ووصول الحدّ الأدنى للأجور الذي كان يُساوي 450 دولاراً الى 33.75 دولاراً. فكيف تُواجه حكومة ميقاتي كلّ هذه التحديات منذ تشكيلها، وهل ستتمكّن من تغيير الوضع السيء السائد الذي يُعاني منه المواطن اللبناني بشكل عام، باستثناء من يقبض منه بالعملة الصعبة؟!

مصادر سياسية عليمة أوضحت أنّ الحكومة الجديدة لا تملك بالطبع عصا سحرية لحلّ كلّ مشاكل لبنان المتراكمة منذ عقود، غير أنّ هذا الأمر لا يحول دون تسريع وتيرة عملها، والتكثيف من عقد جلساتها الوزارية بدلاً من تأجيلها لتلافي الخوض في ملفات خلافية. فثمّة مشاكل كثيرة يُعاني منها المواطن، ولم يعد قادراً على تحمّلها وعلى رأسها انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود والغاز والسلع الغذائية على أنواعها، وأقساط المدارس والجامعات، الأمر الذي يؤثّر على حياته سلباً ولا يجعله يعيش بكرامة، على ما كان قبل الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة وغير المسبوقة.

لكن يبقى أمامها أن تُباشر العمل الجدّي، على ما أضافت المصادر، كونها مدعومة من الداخل والخارج، على الأقلّ على حلّ أزمة الكهرباء التي كادت تصل بالبلاد الى العتمة الشاملة، لولا تدخّل قائد الجيش العماد جوزف عون الذي أخذ قراراً حكيماً قضى بتزويد «كهرباء لبنان» بستّة آلاف كيلو ليتر من المازوت العائد للمؤسسة العسكرية، وذلك لتلافي وقوع البلاد في هذه العتمة. علماً بأنّ هذا الحلّ الذي أوجده قائد الجيش مشكوراً، لا يدخل من ضمن مهامه بالطبع، ولهذا على حكومة ميقاتي أن تعقد جلسات مفتوحة لو تطلّب الأمر، لإيجاد حلّ جذري لمشكلة الكهرباء، خصوصاً وأنّها ستبقى قائمة بعد انتهاء هذه الكميّة.

وترى المصادر نفسها بأنّ العروض التي تُقدّم للحكومة لحلّ مشكلة الكهرباء كثيرة، وهذه المسألة حُلّت بعد الحرب العالمية الثانية في كلّ دول العالم، ولم تعد أفقر دول من بينها تُعاني من هذه المشكلة منذ زمن، فيما نجد أنّه في لبنان لا تزال تُشكّل المعضلة الكبرى التي لم يتمكّن المسؤولون اللبنانيون، لا سيما الوزراء الذين استلموا وزارة الطاقة، طوال الثلاثين سنة الماضية، ورغم صرف مليارات الدولارات على هذا الملف، من إيجاد الحلّ الجذري لها وتأمين الكهرباء بطريقة بديهية، على غرار ما يحصل في سائر الدول.

فالعروض الروسية والإيرانية لإنتاج الكهرباء قائمة حالياً، فضلاً عن العروض الآتية من مصر والأردن وسوريا، ما يجعل حكومة ميقاتي أمام فرصة جديّة لحلّ مشكلة الكهرباء شرط اتخاذ القرار السياسي المناسب من دون الإصطدام بالخلافات حولها والتي من شأنها عرقلة حلّ الملف. أمّا المقترحات لتوفير الكهرباء 24 على 24 فسهلة، ولا تستلزم الـ 120 مليار دولار التي صُرفت على هذا القطاع حتى الآن، من دون توافر الكهرباء لا في المنازل ولا في المؤسسات والأفران والمستشفيات وسواها.

وبرأي المصادر، إنّه لا يفيد الحكومة رفض العروض التي تُقدّم لها من قبل بعض الدول من دون إيجاد الحلول البديلة، والتي بالإمكان أن تحصل من خلال الشراكة، أو الخصخصة، أو الحلول الذاتية في المحافظات اللبنانية على غرار ما يحصل في زحلة، فضلاً عن تحسين المعامل الموجودة والـ 16 معمل الكهرومائي التي تحتاج الى بعض الإمدادات بهدف إنتاج الكهرباء من دون التكاليف الباهظة التي تُصرف على هذا القطاع ولا يحصل المواطن على الكهرباء.

وتقول المصادر بأنّ الحلول الحالية ستجعل لبنان ينتظر أشهراً لوصول الغاز والطاقة من الأردن، ولتغذية البلد بساعات قليلة وليس لحلّ المشكلة برمّتها، فيما حاجة لبنان الى نحو ألفي ميغاواط لا بدّ من تأمينها بشكل مستمرّ، ولهذا لا بدّ من استقدام الحكومة للعروض من الشرق والغرب، والخروج من العقد التي تجعلها ترفض بعضها.

كذلك فإنّ مسألة تصحيح الرواتب والأجور باتت مسألة ملحّة على الحكومة البتّ بها، على ما عقّبت المصادر، من أجل الحفاظ على كرامة اللبناني الصامد في هذه البلاد، والذي يُعاني لتأمين لقمة عيشه وعيش عائلته رغم كلّ الصعوبات. فالمواطن بات يعيش مذلولاُ ومظلوماً وقد وصل الحدّ الأدنى للأجور الى أقلّ من 40 دولاراً. ولهذا لا بدّ من اجتماع لجنة المؤشّر وإعطاء الديناميكية لوزارة العمل لإعادة النظر في موضوع الرواتب.

وينتظر المواطن من الحكومة أيضاً السعي من أجل الكشف عن الفاسدين، على ما أضافت المصادر، وعن الذين نهبوا الأموال وهدروها، وهرّبوا أموالهم الى دول الخارج بعد انتفاضة 17 تشرين الأول من العام 2019، لأنّه من دون محاسبة هؤلاء لن تتمكّن من إصلاح النظام المصرفي وإعادة هيكلته، ومن إعادة أموال المودعين لهم، وإعادة الحياة الطبيعية لهم.

وكلّ ذلك، يحتاج الى خطّة شاملة وواضحة، لكي تتمكّن حكومة ميقاتي خلال الأشهر المقبلة من تحقيقه لكي تحظى بثقة المجتمع الدولي وتحصل في المقابل على الأموال اللازمة لتنفيذها. فمن دون هذه الخطة، على ما شدّدت المصادر، سيكون من الصعب أن تمضي في الإتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي يصرّ على إنجاز الإصلاحات المطلوبة. وأبدت المصادرخشيتها من أن يكون تحويل انفجار المرفأ الى حملة إنتخابية من قبل البعض، تتدخّل فيه السفارات لربط التحقيقات بصناديق الإقتراع لصالح فئة معينة دون الأخرى. غير أنّ ضرب القضاء لكسب معارك إنتخابية، لا ييني الدولة، على ما ذكرت المصادر، بل على العكس يُعرقل مسيرتها، على ما جرى أمس من خلال تأجيل جلسة مجلس الوزراء، في الوقت الذي يُطلب من الحكومة إبقاء جلساتها مفتوحة قدر الإمكان للإستفادة من الوقت، ولاتخاذ القرارات المناسبة لحلّ أبرز المشاكل الملحّة.

الأكثر قراءة

«عرض عضلات قواتي» ومخرج الراعي للاستدعاءات موضع بحث بعد رفض باسيل