اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في ليالي الخريف الحزين حين يطغى عليّ الحنين كالضباب الثقيل في زوايا الطريق، في زوايا الطريق الطويل حين اخلو وهذا السكون العميق، توقد الذكريات، ذكريات الطفولة في حنايا جزين.

جزين هي مسقط رأسي، هي وجهتي في كل وقت وحين، هي المكان الذي اهواه في كل الفصول.

تشرين يأتي وتشرين يروح وراحة الطبيعة في الاجواء تفوح، خريفنا جميل ولطيف وهوانا ينعش النفس والروح.

تراني اسير في زواريب الزمن الجميل انبش ما لذّ وطاب من ذكرياته العتيقة، ذكريات رائحتها بخور وحطب سنديان ونغمتها لحن الطفولة وقهقهات الصبيان.

كم جميل هذا الشعور، في بداية خريف المشوار، اعود الى الماضي بكل جوارحي مترنحاً متبختراً فأجد نفسي صغيراً يغلبني الحنين الى لحظات غابرة مضبت تملؤها عفوية صادقة وطيبة حقيقية وصور بريئة ناصعة.

صور تختزن كل مشاعر الدنيا، صور تطفح بالمعاني والعبر، تغمرها الايادي الحنونة تفوح منها رائحة الاهل والاجداد الطيبين. لا ادري ما هو هذا الشعور، لم اعرفه بهذه الرقة نابضاً بالحب متحركاً جياشا.

ربما نسيم الخريف اللطيف تلاقى مع هواء الماضي العليل وذكرياته النابضة حياة فافاض حنينا وحبا وجمالاً.

خريفنا مختلف عن باقي الفصول فيه الجمال والدلال، تفيق على الرذاذ الندّي، وتبيت على دفء القرميد العتيق.

خريفنا فيه كل الالوان اليانعة والموسيقى العذبة والعطر الفوّاح. كم يجذبني ذلك المشهد الشهي، عندما تتساقط اوراق الشجر معلنة نهاية فصل مضى كان للعطاء عنوانا. فتختلط هذه الاوراق بعطر الارض ونور الشمس وعرق الفلاحين، كم هو جميل ان تسير على دروب الخريف صامتا متأملا، مصليا مسبحا وشاكراً الله على كل الجمال الذي انت فيه، تسمع طقطقات الاوراق وضحكاتها تحت قدميك فكأنها كورس ينشد نشيد الاناشيد او حنجرة سلفت تحمل كل آهات الاجداد والآباء الراحلين.

يشتعل في كيانك الحنين اليهم، الى بركتهم الى اصواتهم والى حنوّهم. لا ادري ما هي هذه الخلطة الالهية.

شوق وحنين ودموع وورق اصفر ونسيم بارد وروائح عطرة واصوات ملائكيةّ! أهذه هي الجنة؟ هل فعلها الخالق لنا ونحن لم ندر بها؟ ام هي مجرّد تهيئة قصيرة وعابرة؟

في الحقيقة الرب صنع لنا كل شيء جميل، وعلينا نحن ان نراه كما اراده هو بعين الخفر والايمان والفكر والحكمة! ارادها الله عز وجل كما هي كي ندرك جماله وعظمته وكرمه ولطفه وابوته لنا، قد يوحي مشهد الطبيعة التي اوشكت ان تتعرّى ان نهاية تُرسم على صفحة الارض وان الارض تسير نحو النهاية فالازهار والاوراق والالوان التي كانت زاهية في الربيع والصيف باتت ملقاة على سرير الحياة معتقة خمرية ارجوانية تنتظر ملاقاة وجه الرب!

كم انت عظيم يا الله وكم هي حكمتك ازلية، لكن ما لا يعلمه البشر ان تلك النهايات ما هي الا صورة حيّة امامنا وعلينا ان نتعظ منها. هي بداية عذبة جديدة لفصل سيأتي جالباً معه الحب والخير والثلج والمطر.

ما على البشر الا النظر بكل تفاصيل ما يحصل في هذا الفصل، فبكل تفصيل تمجيد لك وبكل حركة حكمة منك وبكل تغيير رؤية منك.

كل عناصر الطبيعة تعمل في فصل الخريف، الانسان يجمع غلال الارض، والحيوان يستعدّ للبرد والصقيع والارض تستعيد صحتها لتتعافى مجددا وتشرب من نبع حياة الرب .كل هذه المشهدية الحيّة ارادها الله لنا، هي مُعدّة ومكتوبة من عنده، هي من ترتيبه واخراجه، فما علينا الا ان نلعب دورنا على اكمل وجه ونكون كاملين مثله!

اختم وحنين الخريف يغمرني واصوات الاهل والاجداد تناديني ورائحة الارض والتراب تملؤني

ومسقط رأسي والشتاء ينتظراني

وطفولتي مشتاقة اليّ وتهمس باذنيّ

وها انا انفض كل ما يؤلمني يتساقط من داخلي

لافسح المجال لربيع اجمل قادم لا محالةّ!

الأكثر قراءة

المجلس النيابي الجديد امام خطر التعطيل المتبادل والتغيريين «بيضة قبان» اذا توحدوا؟ توازن نيابي بين «القوات» و «التيار».. وحزب الله يحذر «خصومه» من حسابات خاطئة «الطريق» غير «معبدة» امام الحكومة والاستحقاق الرئاسي بانتظار «التسوية» الاقليمية