اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بات المواطن اللبناني معتاداً على التغيير الجذري الذي طرأ على حياته اليومية منذ عام 2019 بعد «ثورة 17 تشرين». التأقلم بدا واضحاً في يوميات الناس، حيث تبدّلت الأساسيات فيها، وباتوا يستبدلون أصنافاً اعتادوا الحصول عليها بأخرى أرخص تكلفة... إلا المرض!

يقع لبنان في منطقة الشرق الأوسط التي تسجّل أرقاماً مرتفعة جداً في الإصابة بمرض السرطان وخاصّة سرطان الثدي لدى النساء. العلاجات وإن ارتفعت كلفتها، إلّا أنّها كانت متوافرة بكثرة في لبنان قبل انطلاقة «ثورة تشرين» وأزمة الدواء وانقطاعه جرّاء ارتفاع سعر صرف الدولار من جهة ورفع دعم من جهة أخرى، فبدأت صرخات المرضى ترتفع، تارةً لفقدان العلاجات وطوراً من الوجع المتزايد!

التوعية من وجهة نظر الطبّ

في شهر التوعية من سرطان الثدي، يشرح رئيس قسم الأورام في مستشفى الوردية الدكتور جورج هاشم طبيعة المرض وضرورة التشخيص المبكر ، إضافة الى ما يعاني منه القطاع جرّاء تداعيات الأزمة الإقتصادية اللبنانية.

ويقول هاشم لـ»الديار»: «يقع لبنان بضيقة اقتصادية أثّرت بطبيعة الحال على كافّة القطاعات، إلّا أنّ القطاع الصّحي هو الأكثر تضرراً نظراً لخطورة حالات المرضى وضرورة متابعة العلاجات، خاصّة مرضى السرطان ويصادف تشرين الأوّل شهر التوعية لسرطان الثدي الذي ترتفع نسب الإصابة به في لبنان لعدّة عوامل أبرزها التلّوث وتردّي النوعية الغذائية إضافة الى الشقّ الوراثي، فالمتعارف عليه عالمياً ضرورة الكشف المبكر ابتداء من العقد الرابع من العمر، إلا في لبنان فقد بدأنا حملة التوعية والدّعوة الى الخضوع للصورة الصوتية والأخرىى الشعاعية ابتداء من عمر 25 سنة».

يضيف: الأخطر اليوم هو الشحّ في توفّر العلاجات الكيمائية والأدوات الطبية كافة مما يجعل المريض أمام خيار واحد هو وقف العلاج، وهذا الخيار القسري ينعكس سلباً على صحّته ويعرّضه لفقدان الحياة، خاصّة وأنّ الجهات الضامنة كافّة تقدّم التغطية الطبية على أساس السعر الرسمي، فيما بعض المستشفيات يعتمد سعر صرف السوق الموازية، والأخرى تعتمد 3900 ليرة لبنانية، لتبقى الحقيقة واحدة أنّ المريض هو كبش المحرقة!»

«سهام» (53 عاماً) أمّاً لولدين، خضعت للصور الشعاعية والصوتية بعد شعورها بتغيّر فجائي في أعلى يدها اليمنى وتصبّغات في الثدي، ليتبيّن أنّها مصابة بسرطان الثدي.

«هنا بدأت رحلة العذاب» تقول سهام ، وتضيف: «خاب أملي بالحياة عندما أُبلغت بالنتيجة الإيجابية، وشعرت للحظة أنّ كلّ مما بنيته هُدم، وبتُّ أودّع أطفالي مع كلّ نظرة أرمقهم بها ومع كلّ طبخة أطهوها لهم... فكانت البداية صعبة جدّاً، وبعد أن بدأت بالعلاجات الكيمائية قبل خضوعي للعملية، أصبحت في حالة تأقلم مع واقعي، إلا أنه لم يخطر ببالي أن أصل وجميع المصابين الى مرحلة فقدان العلاج أو عدم تمكننا من شرائه نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، ففي لبنان الدواء غير موجود ومن المستحيل تكبّد تكاليف تأمينه من الخارج، فأنا اليوم أعيش مع المرض والوجع بانتظار الفرج القريب».

رئيس «جمعية بربرا نصّار» لدعم مرضى السرطان هاني نصّار، أكّد لـ «الديار» أنّ العلاجات لم تعد مفقودة كليّاً، إنّما تتوفّر بكميّات محدودة جدّاً خاصّة وأنّ وزارة الصحّة تنتظر دائماً مصرف لبنان لصرف الإعتمادات اللّازمة. نحن في الجمعية على تواصل دائم مع وزارة الصحّة من أجل إيجاد حلول سريعة والأجواء بالإجمال إيجابية ومن الضروري أن تكون إيجابية، لأنّ المريض الذي يُخطّط لشراء الدواء من الخارج بحاجة لـ 3000$ (أي بحدود 60,000,000 ليرة لبنانية بمعدّل كلّ أسبوعين) وهذا أمر صعب جدّاً. كما نعمل في الجمعية على محاولة تأمين علاجات بشكل هبات إنّما ذلك سيتطلّب مجهوداً كبيرا وواهبين كبار من أجل تأمين الأعداد اللّازمة، فنحن كجمعية نستطيع أن نلعب دوراً مسانداً لكن لا يمكننا أن نحلّ مكان الدّولة».

منظمة الصحة العالمية

في المقابل، نشر الموقع الرسمي لمنظمة الصحّة العالمية تقريراً مطلع آذار 2021 يبرز فيه حقائق رئيسية عن السرطان وجاء فيه:

تقع نسبة 70% تقريباً من الوفيات الناجمة عن السرطان في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل.

تُعزى حوالي ثلث الوفيات الناجمة عن السرطان إلى تعاطي التبغ، وارتفاع منسوب كتلة الجسم، وتعاطي الكحول، وانخفاض مدخول الجسم من الفواكه والخضروات، وقلّة ممارسة النشاط البدني.

حالات العدوى المسببة للسرطان، مثل عدوى التهاب الكبد وفيروس الورم الحليمي البشري، مسؤولة عن 30% من حالات السرطان في البلدان المنخفضة الدخل والمنتمية إلى الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط.

من الشائع ظهور أعراض السرطان في مرحلة متأخرة وعدم إتاحة خدمات تشخيصه وعلاجه، وخصوصاً في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل. وتفيد التقارير بأن العلاج الشامل متاح في أكثر من 90% من البلدان المرتفعة الدخل، ولكنه غير متاح إلا في نسبة تقل عن 15% من البلدان المنخفضة الدخل.

لم يبلغ في عام 2019 إلا بلد واحد من كل 3 بلدان عن بيانات عالية الجودة عن معدلات الإصابة بالسرطان.

أمام كلّ ما تقدّم حقيقة واحدة تضع الفرد أمام مسؤولية الوقاية والتشخيص المبكر، وتضع الدّولة أمام مسؤولية تأمين الحدّ الأدنى من الحماية الصحّية للمواطنين الذين باتوا يستسلمون لمرضهم، فيرتفع معدّل أوجاعهم ويرتفع معه انتشار الأمراض واستفراسه في الجسد الى درجة أن يفقد الإنسان حياته.... فإلى متى سيبقى قدر اللبنانيّ أن يعيش رهينة أوضاع وتجاذبات تنعكس سلبياً على يومياته؟

الأكثر قراءة

هل أخذت الحكومة الضوء الأخضر من صندوق النقد لإقرار خطّة التعافي؟ خطّة «عفى الله عما مضى» كارثة إقتصاديّة واجتماعيّة...وهذه هي الأسباب خمسة قوانين كلّ منها «كرة نار» رمتها الحكومة في ملعب المجلس النيابي