ينتظر لبنان زيارة كبير مستشاري وزارة الخارجية الأميركية لأمن الطاقة والوسيط الجديد في عملية التفاوض غير المباشر في شأن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي، آموس هوكشتاين، القدس المحتلّة والعودة منها ناقلاً موقف «الإسرائيليين» حول العودة الى طاولة المفاوضات في الناقورة انطلاقاً من «اتفاق الإطار»... ويطرح هوكشتاين رؤية جديدة يُمكن عبرها التوصّل الى حلّ للنزاع البحري القائم، في ظلّ وجود حكومتين جديدتين في كلّ من لبنان والعدو الإسرائيلي. والرؤية الأميركية الجديدة تقوم على مناقشة مسألة وجود الغاز والنفط في الحقول المشتركة وإمكانية تقاسم مواردها قبل التوصّل الى الإتفاق على الخط الحدودي الفاصل بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلّة. فهل يُمكن حصول هذا الأمر دون تخوين هذا الفريق أو ذاك، وما هي الأجواء الأكثر من إيجابية التي أعلن عنها رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بعد المحادثات التي أجراها هوكشتاين مع المسؤولين اللبنانيين؟!

أوساط ديبلوماسية عليمة تجد بأنّ لقاءات الوسيط الأميركي الجديد مع المسؤولين أتت إيجابية لجهة موافقة هوكشتاين على ما جرى عرضه عليه، ولهذا أعلن بعدها بأنّ محادثات الحدود البحريّة يجب أن تُستكمل. فما يريده الطرف اللبناني هو عدم العودة الى «خط هوف» الذي يقسم المثلث البحري المتنازع عليه بمساحة 860 كلم2 بنسبة نحو 55% للبنان، و45% للعدو الإسرائيلي، كونه مرفوض بالمطلق من قبل لبنان، كما يرفض العودة بالتالي الى الخط 23 الذي ينصّ عليه المرسوم 6433 والمودع من قبل لبنان لدى الأمم المتحدة في العام 2011 على أنّه «خط حدوده البحرية»، لا سيما مع اعتماد الوفد اللبناني العسكري المُفاوض الخط 29 كونه الأكثر قانونية من الخط السابق.

وإذ جرت مطالبة الحكومة السابقة أي حكومة الرئيس حسّان دياب من قبل سياسيين وديبلوماسيين وأكاديميين وخبراء قانونيين عدّة بالإسراع في تعديل المرسوم 6433 وفق الإحداثيات الجديدة التي حدّدتها قيادة الجيش اللبناني معتمدةً الخط 29 كحدود لبنان البحرية، وموسّعة بذلك منطقة النزاع الى 1430 كلم2، بحيث تُصبح 2290 كلم2 ككلّ، غير أنّها لم تفعل، تقول الاوساط بأنّ الولايات المتحدة الأميركية نصحت الحكومة المستقيلة آنذاك «عدم تعديل المرسوم المذكور». أمّا الأسباب التي أعطتها فتتعلّق بوجهة نظر إدارة جو بايدن التي خلفت إدارة دونالد ترامب والتي تختلف عن سابقتها في حلّ الأمور العالقة، وبالمقترحات الأميركية الجديدة التي تهدف الى حلحلة مسألة ترسيم الحدود، وعدم تجميدها لفترة طويلة على غرار ما حصل خلال الجولات الخمس السابقة، بسبب المطالب والشروط والشروط المضادة.

وعن مصير التنقيب عن النفط والغاز ومسألة ترسيم الحدود في ظلّ المخاوف من عدم حيادية الوسيط الأميركي الجديد، لفتت الأوساط نفسها الى ما شدّد عليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في هذا الإطار أمس «أنّ لبنان قَبِل بالتفاوض غير المباشر حول الترسيم، وكلّ طرف يضع سقفاً أعلى وأدنى لشروطه، ويعمل لبنان على الحصول على السقف الأعلى وفق التفاوض»، كما طمأن الى أنّ الوسيط الأميركي الحالي في هذا المجال لا يجب أن يُثير قلق اللبنانيين، لأنّهم سيحصلون على حقوقهم ولن يتنازل لبنان في هذا المجال. وأضافت الاوساط بأنّ «التفاوض» لا يعني التمسّك بالموقف، إنّما الأخذ والردّ للتوصّل الى أكثر ما يُمكن تحصيله، وهذا مختلف عن التنازل عن الحقوق تماماً.

وترى الاوساط بأنّ هناك اليوم فرصة جديدة أمام لبنان لاستئناف المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود، عليه الإستفادة منها للخروج من الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة، لا سيما في ظلّ عدم موافقة دول الخارج على تقديم يدّ المساعدة له قبل تحقيق الإصلاحات المطلوبة. وتتمثّل هذه الفرصة في إمكانية التفاوض على الحقول النفطية المتداخلة التي يُرجّح أنّها تحوي تريليونات من الغاز مثل «حقل قانا» اللبناني، وحقل «كاريش» من العدو الإسرائيلي. لكن هذا لا يعني أن يتمّ إعطاء حقل «كاريش» بكامله للعدو مقابل منح لبنان أحقيّته في حقل «قانا»، كون هذا الأمر لا يُمكن أن يحدث بهذه البساطة حتى بين بلدين شقيقين وصديقين، فكيف بين لبنان وبلد عدو؟!

غير أنّ منطقة النزاع الموسّعة، على ما عقّبت الاوساط، تعني تملّك لبنان في أكثر من نصف حقل «كاريش» الذي تعمل شركة إنرجين اليونانية على شفط الغاز منه، فضلاً عن ملكيته لغالبية البلوك 72 حيث خطّط «الإسرائيلي» أن يبدأ الحفر فيه، ورفض استكمال المفاوضات التي تطال جنوب المنطقة المتنازع عليها. ولكن مع إرسال لبنان رسالة احتجاج واعتراض الى الأمم المتحدة على بدء العمل في منطقة النزاع، مُطالباً التحقّق من هذا الأمر، فإنّ الولايات المتحدة، كما العدو الإسرائيلي أظهرا اهتمامهما لاستئناف المفاوضات، وجرى إرسال الوسيط الجديد لها.

وعمّا إذا كان يُمكن للبنان أن يتفاوض على أساس الحقول المشتركة من دون ترسJJيم الحدود أو الاتفاق على خط حدودي معيّن بينه وبين «الاسرائيلي» قبل التوافق على هذا الأمر، أجابت الأوساط عينها: «نعم ممكن. فثمّة حالات مشابهة عدّة في العالم، مثل المنطقة المحايدة (لاستخراج النفط) بين العراق والسعودية والكويت حيث جرى تقاسم الأرباح فيها قبل ترسيم الحدود. وقد رُسّمت لاحقاً، وألغيت المنطقة المحايدة. وهذا يعني بأنّه يُمكن أن يتفق لبنان مع العدو الإسرائيلي على تقاسم الموارد بوساطة أميركية، ومن ثمّ يحصل الترسيم.

وأكّدت الاوساط أنّ تقاسم الموارد لا يتعارض مع قانون البحار، فهذه مياه إقليمية (أو إقتصادية خالصة)، وليست مياه دولية. وإذا اتفقت الدول المعنية ذات السيادة، فلا شيء يمنع.

وعن عملية التخوين، أشارت الأوساط نفسها الى أنّ هذه المسألة لا تتمّ بهذه السهولة خصوصاً إذا كان الوفد المُفاوض باسم لبنان يسعى الى تحصيل الحدّ الأقصى من الحقوق والحفاظ على سيادة البلاد، رغم صعوبة التفاوض غير المباشر مع طرف عدو يُحاول المراوغة لكسب ما يُمكنه في الحقول النفطية الواعدة.

وتقول الاوساط بأنّ هوكشتاين ينوي خطّة عمل واضحة وسهلة تضمّ القواسم المشتركة وتحدّ من النزاع القائم، وهذه الرؤية سيستمدّها ممّا سمعه من المسؤولين اللبنانيين، وما سيسمعه لاحقاً من المسؤولين «الإسرائيليين»، والتي من شأنها أن توصل الى حلّ نهائي لترسيم الحدود البحرية يُرضي الطرفين. علماً بأنّه أطلع المسؤولين اللبنانيين على إمكانية تعديل المرسوم 6433 في حال وجود أخطاء تقنية وقانونية، الأمر الذي طمأن الجانب اللبناني... 

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟