عندما قرر البطريرك بشارة الراعي ان يجد حلا للأزمة السياسية التي تفاعلت مع استدعاء سمير جعجع الى وزارة الدفاع، كان هدف الراعي ان يلملم الوضع ويخفف التوترات، فقصد فورا عين التينة بحثا عن تسوية تجنب البلاد سفك الدماء والمزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية اذا ما ذهبت البلاد نحو الفوضى، الا ان جولة الراعي التي شملت الرؤساء الثلاثة وجرى الحديث انها تضمنت حلا دستوريا على شكل احالة التحقيق مع الوزراء والنواب الى مجلس محاكمة الرؤساء والوزراء لم تكن موفقة، بدليل انها تعرّضت لاطلاق نار من كل القوى السياسية والأحزاب، فيما نسفت المبادرة نفسها بنفسها مع اعلان رئيس المجلس نبيه بري وبكركي كما «القوات» والتيار الوطني الحر والثنائي رفض المقايضة بين جريمتي المرفأ وأحداث الطيونة.

ومع ذلك، لا يزال الحديث عن تسوية قائم، ويجري البحث عن مخارج لتحقيقات المرفأ وحادثة الطيونة من شأنها ترتيب الوضع وإعادته الى حالته السابقة، وتسيير العمل الحكومي مع دخول الحكومة «الكوما» التي فرضتها حادثة ١٤ تشرين.

وتؤكد مصادر سياسية ان المبادرة التي حكي عنها لإيجاد مخرج للجريمتين بالأساس ولدت ميتة، ولم تعجب اي طرف داخلي، فالمقايضة بين المرفأ والطيونة غير ممكن لأسباب ودوافع سياسية وقضائية وشعبية، فمن المعيب والخطأ الإنساني الكبير الذي يرتكبه السياسيون بحق لبنان واللبنانيين نسف التحقيق في انفجار ٤ آب وقتل المتظاهرين في ٤ تشرين، بما في ذلك من جريمة كبرى بحق الشهداء والضحايا من الطرفين.

قضائيا ، فان ما  يحكى عن مقايضة وتحديدا ما يطرح من تسوية لإحالة الوزراء والنواب الى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء يعتبر هرطقة او بدعة دستورية لا يمكن السير بها، فالتسوية في هذه الحال تعني فصل ملاحقة رئيس الحكومة السابق حسان دياب والوزراء السابقين عن قضية انفجار المرفأ وإحالة التحقيق معهم الى لجنة نيابية تتولى تحويل الملف لاحقا الى مجلس محاكمة الرؤساء، وهذا الإجراء لا يقبل به القضاء، وسبق ان قدّم المحقق العدلي في الجريمة القاضي طارق البيطار دفوعا شكلية لبت الموضوع، اذ يعتبر النص القانوني الذي تحدث عنه القاضي البيطار ان مجلس النواب يلاحق الرؤساء  والوزراء والنواب في جرائم الإخلال الوظيفي فقط فيما النظر بجرائم القتل والحرق والتخريب من اختصاص المجلس العدلي، ويعني ذلك ان البيطار ماض في تحقيقاته كما يقتضي القانون وليس في وارد التفريط بصلاحيات الواردة التي يجيزها له.

وفي هذه الحال، تقول مصادر سياسية، ان كل ما حكي عن مقايضة او تسوية لا يلزم المحقق العدلي وقف التحقيق وملاحقة الوزراء، مما يعني ان المبادرات السياسية تصطدم بالحائط والسد القانوني الذي يضعه البيطار، وبالتالي فان مصير التسوية يبقى معلقا بانتظار تبلور ظروف سياسية معينة، ويمكن ان تصبح أمرا واقعا في حال واحدة فقط اذا استمر التوتر السياسي والانزلاق نحو الأسوأ واستمر مجلس الوزراء معطلا وبقي الثنائي متمسكا بموقفه بعدم العودة الى مجلس الوزراء في حال لم تكف يد المحقق العدلي او يتم تعديل شروطه.

وتؤكد مصادر سياسية مطلعة ان التعويل على مبادرة بكركي كان قائما، لكن الأمور يبدو انها متجهة الى المزيد من التأزم في ظل تمسك كل طرف بمواقفه، فالمحقق العدلي وأهل الضحايا ليسوا في وارد التراجع عن مواقفهم، فيما الانقسام السياسي قائم في التعاطي مع ملف الجريمتين، فحزب «القوات» أعلن رفض مقايضة جريمة المرفأ بحادثة الطيونة ووضع التحقيق والثنائي الشيعي رفض المقايضة أيضا وتمسك بقبع القاضي البيطار، فيما التيار الوطني الحر تحدث عن تواطؤ بين عين التينة ومعراب، في الوقت الذي تحرص مصادر بكركي على توضيح رفضها أي مقايضة مصرة على ان البطريرك الراعي لم يكن لديه في بداية جولته على الرؤساء الثلاثة تصورا كاملا للحلول، لكن انطلاقة جولته ركزت على رفض ما تعتبره بكركي تجنيا على رئيس أكبر حزب مسيحي.

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟