متى ندرك أن ساستنا (كظاهرة ما فوق البشرية) يفترض أن يكونوا فوق القانون، وفوق الدستور، وفوق الدولة ؟ الأهم من كل ذلك ... فوق الحقيقة ؟

تماماً مثل امرأة القيصر فوق الشبهات، حتى لو ضبطت عارية في فراش حوذي القصر ...

متى وقف ملك، أو رئيس جمهورية، أو رئيس حكومة، في منطقتنا (وهي منطقة الأنبياء) وراء القضبان. هؤلاء الذين قيل فيهم الغربان في الياقات البيضاء هم الذئاب بالياقات البيضاء، الديناصورات بالياقات البيضاء . من يمس بهم كمن يمس بالآلهة. على الأقل ... بالأنبياء !

لا انفجار فقط لأن الضوء الأخضر لم يأت من الخارج. لكنها الأيام الأشد هولاً من أيام الانفجار، حين نلهث حفاة وراء رغيف الخبز، ووراء تنكة المازوت، اذا أتاكم حديث بعض الفقهاء حول الصقيع في جهنم . تلك الطبقة السياسية التي أثارت ذهول (وازدراء) العالم بالصراع على المقاعد الفارغة، وعلى الحقائب الفارغة. «الفايننشال تايمز» كتبت عن صراع الرؤوس الفارغة ...

كرعايا، حتى لو جعلوا منا كائنات ما دون البشرية، كيف يمكن أن تضيع الحقيقة في العنبر رقم 12. الجثث التي تناثرت على الجدران، وعلى الطرقات، اليست جثث أهلنا، وجثث أطفالنا، لكي تذهب، كما كل شيء فينا، أدراج الرياح.

وكيف يمكن أن تضيع الحقيقة في مجزرة الطيونة، حيث القاتل يتحول، حتى في نظر المقامات الدينية، الى بطل (غداً الى قديس)، دون أن ندري لماذا سقط القتلى عند أحد مداخل عين الرمانة . لنحسب أنهم الرعاع، ورفعوا شعارات الرعاع، دون أن نرى في يد أي منهم العصا أو الحجر، هل يمكن أن يرديهم رصاص بني قومهم، وأن نهلل للقتلة ؟!

لا تتصوروا أن أحداً يمكن أن يكترث بتلك الجثث . نحن الأحياء جثث مع وقف التنفيذ . لا فارق بين الجثث التي توارى الثرى، وتلك التي تنتظر كيس الطحين، أو كرتونة البيض، تسقط من سراويل ملوك الطوائف.

هؤلاء الذين يعبثون بغرائزنا (يا غيرة الدين !)، المرة تلو المرة. بدل أن ننقضّ على قصورهم الفاخرة، وعلى صناديقهم العامرة، نأكل لحوم بعضنا البعض، عظام بعضنا البعض. أي هوة تلك بين فقراء عين الرمانة وفقراء الشياح، وهم الذين يتداخلون حول فناجين القهوة، وأحياناً حول كؤوس الجعة ؟

في لحظة ما، نحن المبرمجون طائفياً، وقبلياً، نتحول من ثقافة فرنسيس الأسيزي وثقافة أبي ذر الغفاري، الى حملة المناجل، وحملة الفؤوس ..

في عام 1974، قال محمد حسنين هيكل، وكان مفتوناً بسحر لبنان، وبحداثة اللبنانيين، لمجلة لبنانية «مشكلتكم أن لبنان لا يستطيع البقاء الا بالتسويات التي قد تكون أحياناً التسويات المريرة». بعد عام فقط، ذهبنا الى الحرب الأهلية ليبدأ زمن التسويات الجراحية.

آباؤنا الفينيقيون كانو يكدسون الجماجم عند بوابات المدن لترويع أعدائهم، نحن كنا نكدس الجماجم على عربات الخضار لترويع أهلنا ...

ماذا يمكن أن يفعل لنا صندوق النقد الدولي سوى أن يشد الأحزمة على البطون الخاوية ؟ الأميركية توني موريسون، الحائزة جائزة نوبل في الآداب، كتبت عن «الآلهة الجريحة» حول ما يفعله الصندوق بالمجتمعات البائسة. وماذا يمكن أن يفعل لنا قادتنا الذين بقاؤهم يفترض تكريس ثقافة الكراهية. الوجه الآخر لثقافة الدم ؟

هنا الحقيقة التي لا تضيع، لا في أقبية ملوك المافيات، ولا في أدراج القضاة.

خلاصنا في التسوية بين أميركا والصين، وبين أميركا وايران، وبين أميركا وسوريا، وبين السعودية وايران، وبين السعودية وسوريا . اذاً، هذه تركتنا لأبنائنا (الدجاجة العرجاء في لعبة الأمم).

في واشنطن، وفي باريس، يقولون «لو فتحنا أبوابنا لما بقي لبناني في لبنان». لماذا نبقى بموت مفهوم الدولة وبموت مفهوم الوطن ؟ ممنوع أن يقف أحد من أولياء أمرنا أمام القضاء لا وراء القضبان. ولو كان القاتل، ولو كان علي بابا على باب المغارة.

هؤلاء، كما قلنا، امرأة القيصر حتى ولو ضبطت عارية في فراش حوذي القصر.

عندنا، ولو ضبطوا عراة، باسنانهم الصفراء، عند ... باب المقبرة !!

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟