اذا كان العرب قد خرجوا حفاة من سوريا، وقد نثروا عشرات مليارات الدولارات لتفجيرها، ورهان كل بلاط (وبسذاجة منقطعة النظير) على اقامة نظام بديل يكون القهرمانة بين يديه، هل يدرك العرب ما يعني أن يتخلوا عن لبنان، ويتركوه، هكذا، يموت أو ينفجر ليتحول الى غرنيكا دموية في قلب الشرق الأوسط ؟

الفرنسيون قالوا لمن يعنيهم الأمر ان لبنان ليس اليمن الذي يمكن أن يتفكك من دون أي تداعيات كارثية على المحيط. ثمة تضاريس قبلية، وطبيعية، وحتى سيكولوجية، يمكن أن تستوعب كل أشكال الاحتمالات.

اذا انفجر لبنان، لا بد أن تجد الايرانيين، والأتراك، والاسرائيليين، وحتى الأميركيين، والفرنسيين، اضافة الى الروس، على أرضه التي لا تتجاوز مساحتها مساحة احدى قرى حضرموت.

حتى الأن، لا تزال نظرة الاسرائيليين الى لبنان اياها. اذ رأى فيه هنري كيسنجر "الفائض الجغرافي"، وكنا أول من نقل عنه هذا المصطلح الذي ورد في مقابلة معه أجرتها مجلة "باري ماتش" الفرنسية، وصفه آرييل شارون بـ "الخطأ التاريخي" !

هنا الدولة الفلسطينية البديلة التي يفترض أن تستضيف عرب الجليل الذين وصفهم أفيغدور ليبرمان بـ "الشوكة في نخاعنا الشوكي". دولة بمواصفات اسرائيلية. ماذا عن النازحين السوريين اذا ما أخذنا بالاعتبار طوفان الهجرة للأدمغة، وللأيدي، اللبنانية؟

أكثر من جهة دولية تتوقع أن يحدث للبنانيين ما حدث للأفغان في مطار كابول. أن يتعلقوا بأجنحة الطائرات قبل أن يتساقطوا ليأتي عمال التنظيفات ويكدسوا الجثث في الحاويات.

هل المشهد أبوكاليبتي الى هذا الحد؟ الى هذا الحد وأكثر اذا ما وضعت السيناريوات المتشابكة على الأرض، بالتوازي مع الهبوط الاقتصادي الذي يعني سقوطنا أكثر فأكثر في هذا الجحيم ...

في القاهرة التي نتساءل عن سبب غيابها عن الساحة الديبلوماسية في هذه الظروف القاتلة، يقول لي ديبلوماسي صديق "أين أصدقاء السعودية في لبنان، ولماذا لا يحثونها على البقاء فيه اذا كانوا يخشون، فعلاً، من استئثار "الغول الايراني" ببلدكم؟" .

لعل صاحبنا لا يدري مدى تغلغل الزبائنية في رؤوس الساسة في لبنان. هؤلاء اما ببغاءات (غربان بياقات بيضاء)، أو ناقري دفوف لا يتجرأون حتى على التوسل الى السعوديين كي لا يتركوهم في مهب الهباء...

ما تسرب من معلومات من لقاءات الرئيس نجيب ميقاتي في غلاسكو أن الفرنسيين، وحتى الأميركيين، يعتقدون أن استقالة جورج قرداحي لا بد أن يحدث ثقباً يمكن النفاذ منه الى قصر اليمامة.

أليس هذا مهيناً لمملكة، بكل ذلك الثراء، وبكل ذلك التأثير. أن تعلن الحرب على لبنان، والى حد قتله بسب كلام سابق لوزير دخل الى التشكيلة الحكومية، كما سائر الوزراء الآخرين، بالصفقة اياها بين ملوك الطوائف؟

أين المقارنة بين ما تفوه به جورج قرداحي، وهو الطارئ على الوزارة، وما نطق به مقتدى الصدر حيال حرب اليمن، وهو صاحب أكبر كتلة في البرلمان العراقي؟

أيضاً، كيف المقارنة، حتى على مستوى الأمن الجيوستراتيجي للمملكة. بين لبنان والعراق الذي يتاخمها على امتداد 814 كيلومتراً؟ استطراداً، لماذا المساكنة بين السعوديين والايرانيين في بلاد الرافدين فيما تستحيل هذه المساكنة على الأرض اللبنانية، لتحل على رؤسنا تلك العقوبات التي تقفل علينا حتى أبواب الهواء ؟

من لا يدري، وقلنا ذلك منذ اللحظة الأولى، أن المشكلة في اليمن لا في لبنان، وأن جورج قرداحي اختير ليكون عود الثقاب في تفجير العلاقات؟

في هذه الحال، ما علينا الا أن نتوجه الى طهران لنقول، بلهجة من يحفظ لها الجميل بمؤازرتها لنا في اجتثاث الاحتلال، أنتم الذين تصفون محادثاتكم مع السعوديين بـ"المثمرة، والودية، والجدية"، ماذا تنتظرون لتسريع الايقاع بدل التوقف عند تلك الكلمات ؟

ما نحتاجه هدم الجدار، لا ثقباً قي الجدار، لكن كل شيء على توقيت فيينا. متى ليالي الأنس في فيينا ؟!

الأكثر قراءة

«الكمائن المتبادلة» بين عون وبري أجلت مجلس الوزراء و«التسوية» الى ما بعد الأعياد ماكرون وبن سلمان لميقاتي: الانتخابات أولاً...الملفات المالية والتعيينات والغاز الى العهد الجديد اضراب النقل العام سيقفل مداخل العاصمة والشلل يطال كل المؤسسات والوزارات