اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب
لطالما كان الموت موضوعا يشغل الانسان منذ وجوده ليحتل حيّزا مهما في مختلف الاديان والثقافات والحضارات.

الموت شغل بالي منذ نعومة اظافري، فقد كنت اسمع ان والد رفيقي في المدرسة توفى وان جدة قريبتي توفت وان جارنا ابو الياس «عطاك عمرو» وانه في دارة بيت ابو نادر يتقبلون التعازي بوفاة «المير» خيرة الشباب، فكانت عبارات «الله يرحمو» و«نفسو في السما» و«موتي هنية» و«ضيعانو شب» تتردد في ذهني وتؤثر بي وحتى تبكيني احيانا دون معرفة ماذا يحصل بالفعل وما هي دوافع هذا السارق ما هي تداعياته على رفيقي وقريبتي وجيراني.

كانت نظرتي للموت، نظرة طفل يشعر بالخوف ولا يعرف مصدره ويستشعر الخطر ولا يدري من المسبّب!

كان الطفل في داخلي مطمئنا لانه واثق ان ما يحصل هو بعيد عنه وان السارق لن يطرق بابه. كان هذا الطفل يشاهد حقيقة الحياة والموت من بعد، يخاف يحزن، يبكي لغيره ثم يعود ويطمئن انه بمنأى عن هذه المشهدية الرمادية.

قد يبدو الموت وكأنه زائر غريب يطرق ابوابنا فجأة ليختطف احدنا مع انه ليس بالوافد وليس بالغريب فهو يعرفنا بقدر جهلنا به او تجاهلنا له. كان هذا شعورنا في بداية العشرينات من عمري عندما هاجمنا هذا اللص وخطف شجرة البيت، «امي»!

هنا وجدتني امام حقيقة مرّها امرّ من العلقم وسوادها اشد «قتامة» من ليالي الشتاء وثقلها فاق قدرتي على معرفة ما يجري. في ذلك الوقت عادت بي الذاكرة الى طفولتي الى اماكن الامان حين كنت اعتقد ان الموت طريقه بعيدة ومراده ليس عندنا. هنا بدأ الصراع وكبرت التساؤلات واتضحت اللعبة وبان الخلل بين نظامين الموت والحياة، اذ ان الاخيرة هُزمت فالحياة ماتت والموت عاش. ما هذا التناقض؟ كل منهما يعيش على موت الاخر او يموت عند بقائه. جدلية عجزت عنها الفلسفة وابنها المنطق وقف متفرجا ضاحكا شامتا.

امام هذا المشهد الغامض يدخل الدين من الباب العريض ليظهر حقيقة الخالق وقوته وحكمته ومشيئته كاشفا عن هذه الحقيقة المحتمة الآتية بدون شك.

فعند المسيحيين يطرح السؤال» هل من موت في المسيحية؟

هل الموت هو مجرد عبور الى الحياة الابدية؟

هل الموت هو رقاد؟ وان الراقدين سيقومون في اليوم الاخير؟

هنا يتكلم العهد الجديد عن مصير الانسان بعد الموت.

ويؤكد ان رجاء هذا الانسان يقوم في مشاركة الله في حياته، بمعنى انه حين ينتقل هذا الانسان المؤمن الى بيت الله يجد منازل كثيرة اعدت له. وابرز ما يؤكد حتمية الحياة بعد الموت هو قول المسيح لمرتا التي كانت تبكي اخيها لعازر: «انا القيامة والحياة فمن آمن بين وان مات فسيحيا».

على الصعيد الشخصي كمؤمن مسيحي خاض تجربة الموت في بداية شبابه مع فقدان والدته ولاحقا مع والده، كانت تعزيتي كبيرة عبر الكتاب المقدس والذي يؤكد بان الموت هو انفصال فان كان موتا جسديا، كان انفصال النفس عن الجسد وان كان موتا روحيا، وهذا الاخطر كان انفصال النفس عن الله.

فالموت المخيف هو ان تعبر عتبته وانت منفصل عن الرب روحيا، عندئذ تكون الهوة كبيرة والم الندم عظيم والبكاء مرير. اما الموت الذي يرجوه كل مؤمن هو ان يعبر الموت وملؤه الرجاء بان موت هذه الحياة هي حياة بعد الموت!

اما عند الاسلام، فالصورة ليست بمختلفة عن المسيحية، اذ ان الموت هو نهاية الحياة الدنيا وبداية الحياة الآخرة بمعنى آخر الموت هو بداية لحياة مع الله عزّ وجلّ لا فناء فيها. والايمان بالآخرة هو واحد من ستة اركان في الايمان بالاسلام.

جدلية الموت والحياة تظهر عند الفلاسفة، فالفلسفة تحدثت باسهاب عن الحياة وطرحت اسئلة عديدة حول الموت عارفة بان ابنها المنطق ليس لديه براهين كافية ولا حتى اجوبة شافية.

لذلك تجنبت الفلسفة الحديث عن الموت لانها لا تملك جوابا يقينا عنه وتداركا منها الخلاف مع الدين.

في الختام نتطلع نحن كبشر الى المزيد من العمر ونجاهد كي نبقى احياء ونصارع من اجل السيادة والبقاء ونعمل ليل نهار وكأننا باقون خالدون لكن من المهم ان نعرف انه ليس بعدد السنوات تقاس معرفتنا للحياة، ولا بكمية المهمات التي انجزناها ولا حتى بنوعيتها بل الاهم هو كيف نعيش هذه السنوات وما هي كمية المحبة التي نفيضها في كل عمل ومهمة وما هي اهداف هذه المهمات وما هو تأثيرها على الخير العام.

فنلدرك ان مسيرة الانسان من المهد الى اللحد ينبغي ان تكون مليئة بالاختبارات الحية والتفاعل الانساني الرفيع المستوى والاتصال المباشر مع الخالق والعمل من اجل مجده.

من هنا يمكننا ان نقول بأننا بدأنا نفقه الحياة استعدادا لتخطي عتبة الموت وملاقاة وجه الله.

اخيرا اقول بأن الانسان ولو كان حيا ولم يختبر الموت الجسدي، يمكن ان يكون ميتا هالكا ببعده عن الرب وهذا هو الموت الاخطر موت الروح!

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!