الغربة هي هذا الشعور بأن الحياة تجري في الاتجاه المعاكس لما أنت تتوخاه. لما كانت الحياة عينها قد علمتك أن تتمناه. وفي هذا، فلأكثر من خمسين عاما والغربة تلاحقني. وكنت، كلما تراءى لي ان مرحلة قاسية من غربتي شارفت على الانتهاء فاجأتني مرحلة، غالبا ما كانت أقسى وأمرّ. واما صرت في مواجهة الحياة العملية حتى استقبلتك غربة في التعليم مع مدارس كانت تبيع العلم، ومنها الى غربة - هجرة استمرت عشر سنوات في ارض غريبة، في القارة السمراء، الى غربة دائمة الاقامة في الدين والمعابد، الى غربة لعلها الاكثر مرارة، في الحزب الذي وعد بالنهضة وبتغيير مجرى التاريخ فما اتقن، مع افخاخ نصبتها له السياسة، الا تغيير هويته الجهادية، الا تغيير مجراه. الى غربة ايامنا الاخيرة هذه، والتي فيها الام وغرائب لم يشهد لها مثيلا غريب.

هنا، اضطرب نظام الفصول. فأقسى من شعورك بغربة وسط قوم، لا انت تتكلم لغتهم، ولا هم لغتك يفهمون، غربتك وسط قومك. قوم شتتهم خلافهم على السماء شيعا وبدعا وفئات. جميعهم يصوتون (من صات) بلغة واحدة. ولكن لكل تشلع مفهومه الملتبس المختلف لمعنى الكلمات. الغربة، هنا، اكبر من مجرد معاناة. انها بلية فريدة من نوعها في البلايا. هنا، اضطرب مفهوم الزمن. فخريف فئة من قومك هو ربيع فئة سواها. هو افتئات على زمن سواها. هنا، الشرف والعزة هما غيرهما هناك. والله ذاته الذي هنا ليس هو اياه هناك. وهنا وهناك، حاميها حراميها. وحراميها لا يتورع ان يقيم الصلاة وخلفه، يصلي بورع جمهور قوم يؤمنون. هنا، وسط تعدد الالهة، لا تملك، في غربتك السريالية الرهيبة، الا ان تصرخ روحك من اعماق الوجع: لا اله الا الله.

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟