الملك النمرود، أكثر ملوك التاريخ إثارة للجدل، رمزٌ للتجبّر والطغيان، قصة موته غريبة.

هل هو حقاً من بنى برج بابل الذي كان الحدث الفاصل في الكون؟ وهل حقاً وجدوا هو قبره؟!

النمرود، الملك الطاغية

إرتبط إسم النمرود منذ غابر الازمنة حتى يومنا هذا بالطغيان والتجبر، كما أننا منذ صغرنا دأبنا على سماع إسم النمرود مرتبط بقصة النبي إبراهيم (ع).

ولكن، الكل يسأل عن قصة موته الغريبة ونهايته المذّلة، وحقيقة هذا الملك الغامض الذي يعتبر من ملوك الأرض الأربعة، ولغزه الأكبر أين "قبره".

النمرود، هو ملك شنعار وكان وفقاً لسفر التكوين وسفر أخبار الأيام ابن كوش وهو ابن حفيد نوح. يُذكر في سفر التكوين: وَكُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ الَّذِي ابْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ، الَّذِي كَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ. لِذلِكَ يُقَالُ: "كَنِمْرُودَ جَبَّارُ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ".

ويرتبط اسم نمرود بالعديد من آثار بلاد الرافدين. كما جاء ذكره في المدراش.

في الثقافة الرائجة يشار إلى النمرود بأوصاف مثل أول جبار في الأرض. وكان أحد "ملوك الدنيا الأربعة" الذين ذكروا في القرآن وهو من الملوك الكافرين.

وهو أول من وضع التاج على رأسهِ وتجبر في الأرض وادعى الربوبية وكان ملكهُ أربع مائة سنة فطغى وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا.

ولقد رأى حلما طلع فيه كوكب في السماء فذهب ضوء الشمس حتى لم يبق ضوء، فقال الكهنة والمنجمون في تأويل الحلم أنه سيولد ولد يكون هلاكك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك الناحية في تلك السنة وولد إبراهيم ذلك العام فأخفته والدته حتى كبر وعندها تحدى عبادة نمرود والاصنام. ويشرح المفسرون أن إبراهيم وملك يدعي الألوهية تواجها لإظهار الإله الحقيقي الذي يستحق العبادة، أهو الملك أم الله؛ مفسرين بأن هذا الملك هو النمرود. وعندما فشل الملك في محاججته، أمر بحرق إبراهيم بالنار والتي تحولت على إبراهيم بردا وسلاما.

كما ذكر نمرود بالاسم في التوراة من دون أي تفاصيل.

أول ذكر للنمرود في التوراة كان من خلال أنساب سفر التكوين فيما يعرف بجدول الأمم. الذي يوضح أنه ابن كوش، حفيد حام، وابن حفيد نوح؛ وبأنه "ابْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ، الَّذِي كَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ".

وتتكرر هذه المعلومات في سفر أخبار الأيام الأول، وفي كتاب ميخا، ويشار إلى أنه "إنشاء مملكة ومدن بابل، أكد، وأوروك في أرض شنعار أي بلاد ما بين النهرين".

وذكر النمرود ببعض التفصيل في كتب اليهود الأخرى مثل التلمود والمدراش وتاريخ يوسيفوس. فالتلمود يربطه بشخصية الملك امرافيل الذي كان حاكما أيام إبراهيم. ويذكر كتاب اليوبيلات أن "نبرود" (وهي اللفظة الإغريقية للاسم) هو من أجداد إبراهيم وبالتالي أبو اليهود. أما يوسيفوس، فيصف نمرود بباني برج بابل ومتحدي عبادة الله. حادثة مواجهته وإبراهيم وبأنه باني برج بابل.

وفي الإسلام لم يرد اسم النمرود في النص القرآني إنما ربط مفسرون مثل الطبري بين الملك نمرود البابلي والملك الذي تحداه النبي إبراهيم في سورتي الانبياء آية 68، والبقرة آية 258.

وذكر نمرود في التراث الإسلامي في العديد من كتب المفسرين للقرآن والمؤرخين العرب والمسلمين. إلا أنه "اختلف في نسبه"، منهم من ذكر أنه "نمروذ بن كنعان بن كوش بن حام بن نوح" أو أنه "نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح" أو أنه ابن ماش ابن ارام ابن سام.

وذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ، والطبري في شرحه والقلقشندي كذلك بأنه "نمرود بن كوش" وصولا إلى حام بن نوح، ولم يخالفهم في ذلك إلا ابن كثير في البداية والنهاية. فيقول ابن الأثير في المجلد الأول في الكامل للتاريخ، ص 81: "أما حام، فوُلِد له كوش، فمن ولد كوش نمرود ابن كوش".

وفي الثقافات الأخرى، فقد ذكر في الثقافة الأرمينية أن جد الأرمن، هايغ، هو من قضى على النمرود والذي كان يسمى "بيل". في الكوميديا الإلهية التي كتبها دانتي أليغييري (مكتوبة ما بين 1308 و1321)، يصور نمرود كشخصية عملاق في الجحيم. وقال أنه "يتعرض للعقاب في الدائرة التاسعة من الجحيم مع عمالقة آخرين". وربط بعض المؤرخين شخصية نمرود بشخصية جلجامش.

قصته مع النبي إبراهيم

وردت قصته في القرآن من خلال مناظرته مع نبي الله إبراهيم (ع)، والتي ذكرها الله في سورة البقرة، في قوله "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

وعما حدث بينه وبين إبراهيم، قال ابن كثير إنه "عندما أصبح سيدنا إبراهيم شابا بدأ بمناقشة أهله وقومه يدعوهم لعبادة الله، وترك عبادة النمرود، وفي أحد الأيام وبينما كان قومه يحتفلون خارج المدينة ذهب إبراهيم لأصنامهم وكسرها كلها إلا كبيرهم، وعندما رجعوا من حفلتهم وجدوا أصنامهم مهدمة فسألوه فقال لهم إنه كبيرهم الذي كسر الأصنام الأخري لأنه يغار منهم، فأعدوا نارًا عظيمة لإحراقه بأمر من النمرود، ولكن جعلها الله بردًا وسلامًا عليه، كما ذكر في القرآن الكريم".

وذكر ابن كثير والقرطبي و"الشوكاني" أن "النمرود تعجب كيف نجا إبراهيم عليه السلام من النار التي أعدها قومه لتحرقه فنجاه الله بأمره، فأراد النمرود مناظرته ومجادلته في أمر ربه".

وعن تفاصيل المناظرة، ذكر المفسرون أن "النمرود سأل إبراهيم: ماذا يفعل ربك هذا؟، فقال إبراهيم: ربي يحيي ويميت، فقال النمرود: وأنا أحيي وأميت، وأمر حراسه بإحضار مسجونين محكوم عليهما بالموت، فأطلق سراح أحدهما، وأمر بإعدام الآخر متصوراً أنه سالب روحه، وجهل أن الروح بأمر الله. فقال له إبراهيم: إن كنت صادقاً، فأحْي الذي قتلته، فقال النمرود: ماذا يفعل ربك أيضاً؟، فردّ عليه السلام إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فإن كلّ يوم صباحاً تطلع الشمس من المشرق، وذلك من صنع الله تعالى، فإن كنت أنت إلهاً، فاعكس الأمر، وائتِ بالشمس من طرف المغرب (فبهت الذي كفر)".

وبعد المناظرة، قال المفسرون، نقلًا عن "زيد بن أسلم الذي قال: بعث الله إلى ذلك الملك الجبّار ملكًا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى عليه، ثم دعاه الثالثة فأبى عليه، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي".

وأوضح ابن كثير، في كتابه: "فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابًا من البعوض، بحيث لم يروا عين الشمس وسلّطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا باديةً، ودخلت واحدةٌ منها في منْخَر الملكِ فمكثت في منخره أربعمائة سنة، عذبه الله بها فكان يُضْرَبُ رأسُه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله بها".

قبره الغامض

تداول عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر منشورا، بمعلومة وصور مفادها أنه تم العثور على قبر النمرود بن كنعان أو ابن كوش وزوجته في مدينة كركوك بالعراق وأن المجوهرات التي عثر عليها وهم يلبسونها تقدر بحوالي ثلاثمائة مليون دولارا وانه جار نبش العديد من القبور غيرها وبالقرب منها.

وهو ما تم نفيه لاحقاً، حيث أكدت وكالة "تدقيق الحقائق" الفرنسية، أن صور الهياكل تعود لكشف اثرّ في إيران، وهي تعود إلى رفات قديسين وكاثوليك، كما أثار تقرير موقع "The Guardian" البريطاني في 19 تشرين الثاني 2013.

أما الكنوز الأخرى، فهي تعود لمقبرة ملكيّة إكتشفت في منطقة نمرود والتي تعرف بأنها مدينة آشوريّة قديمة في العراق.

ولهذا اليوم لم تتوصل أي بعثة جديدة لأي إكتشاف جديد يؤكد مكان قبر النمرود ويحل لغز هذا القبر الغمض.

وهنا السؤال، هل كٌشف النقاب عن هذه الشخصيّة المحيّرة، أم أن المزيد من الأبحاث قد تكشف لنا حقائق اخرى عن النمرود وزمانه؟

الأكثر قراءة

باسيل للديار : لن نبقى ساكتين امام التعطيل...فلتجتمع الحكومة او «ما تكفي» وانصح ميقاتي بالدعوة لجلسة والمعترضين بالحضور السعودية تريد مواجهة حزب الله واذا ما فهم فرنجية انها لن تشتري من احد شيئا بلبنان فمشكلة !