لم يكن كلام القيادي في «القوات اللبنانية» ابراهيم الصقر في حديثه التلفزيوني الأخير عرضيا، ولم يمر تهديده للتيار الوطني الحر في الانتخابات النيابية المقبلة مرور الكرام، قال الصقر انه «ما رح خلي ابن مرا عوني يقب راسو وأنا  طيب»، مضيفا «ما رح خليهم يقلعو بالانتخابات وغير الانتخابات».

الكلام العالي السقف لرجل أعمال محسوب  على «القوات» يعبّر عن الاحتقان السياسي بين «القوات» والتيار الوطني الحر في كل الملفات الداخلية والذي  بلغ ذروته في دائرة زحلة، وتحوّل مؤخرا الى حرب إلغاء مسيحية، اذ تعتبر «القوات» انها في دائرة الاستهداف السياسي وفبركة الملفات في موضوع النيترات والمازوت وغيرها كما تصرح قياداتها كلما دعيت الى  نقاش سياسي.

من هذا المدخل، المؤكد ان الإنتخابات النيابية ستكون معركة «تكسير الرؤوس» الحامية بين «القوات» والتيار الوطني، وتعتبر دائرة  زحلة أحدى الدوائر التي ستشهد معركة قاسية وتصفية حساب بين الحزبين المسيحيين.

حتى الساعة لا يزال المشهد الانتخابي على حماوته ضبابيا يصعب إكتشاف الصورة الواضحة للتحالفات، الا ان المؤشرات تدل على معركة قاسية في استعادة لمشهد انتخابات ٢٠١٨  والموزاييك الزحلاوي الموزع بين الأحزاب والقوى والزعامات التقليدية والمرشحين الأقوياء.

انتخابات ٢٠١٨ حملت مفاجآت وتبدلات في المشهد  الزحلاوي، تمثلت بفوز «القوات» بمقعدين نيابيين، مقابل سقوط النائب السابق نقولا فتوش ورئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف، وخسارة الكتائب مقعد النائب إيلي ماروني ، ومحافظة التيار الوطني الحر على وضعية انتخابية جيدة، لكن هذا المشهد يمكن ان يكون عرضة للتبدلات تبعا للمتغيرات التي ضربت الساحة اللبنانية وتأثر بها القضاء على غرار سائر الدوائر، خصوصا ان التحالفات يمكن ان تتغير، كما يسجل خروج نواب لهم حيثيتهم الشعبية من تكتلاتهم النيابية، فالنائب الكاثوليكي ميشال الضاهر الذي ترشح على لائحة التيار الوطني الحر صار خصما لتكتل لبنان القوي، والنائب «القواتي» سيزار معلوف يغرد منذ فترة خارج «تكتل الجمهورية القوية» دون ان يقرر بعد مع من سيتحالف.

قراءة  الأرقام للانتخابات الماضية تظهر فوز لائحة «زحلة للكل» بثلاثة مقاعد للنواب ميشال ضاهر وسليم عون وعاصم عراجي ، وحصول «القوات» على مقعدين للنواب جورج عقيص وقيصر المعلوف، وفوز النائبين أنور جمعة وادي دمرجيان من لائحة «زحلة الخيار»، والقرار التي سقط على متنها النائب والوزير السابق نقولا فتوش، ولم تسجل لائحة «الكتلة الشعبية» اي خرق ، وحصلت ميريام سكاف على ٦٣٤٨ ، فيما حصل «كلنا وطني» على ١٥٩٩ مقابل ١٨٧٠٢ ل «زحلة قضيتنا» و ٢٣٥٤٦ ل «الخيار والقرار» و٣٦٣٩١ للائحة «زحلة للكل»، الا ان هذه النتائج لا يمكن البناء عليها في الإنتخابات المقبلة، حيث لم تتحدد بعد  خيارات المرشحين الأقوياء . وتطرح تساؤلات حول امكانية حصول توافق انتخابي بين النائب ميشال الضاهر ورئيسة «الكتلة الشعبية» ميريام سكاف يتم الحديث عنه، ويصعب ايضا الجزم بموقع  النائبين المعلوف والضاهر، مع شبه تأكيد  باحتمال عدم عودتهما الى كتلتهم النيابية التي غادروها، فيما تتردد أخبار متناقضة  حول ترشح النائبان في اطار لائحة واحدة، فيما تتحدث تسريبات أخرى  عن امكانية ان يكون المعلوف على لائحة تجمعه مع سكاف، ويتردد ان الضاهر يتجه الى لائحة شخصيات مستقلة، مما يضفي المزيد من الضبابية على أجواء التحضير للاستحقاق.

كاثوليكيا المنافسة حامية بين المرشحين على المقاعد ، وتتطلع الأحزاب جميعها الى المقعد الماروني الذي يشغله اليوم النائب  سليم عون، حيث تتطلع رئيسة «الكتلة الشعبية» الى التعويض عن الخسارة بعد ان واجهت عام ٢٠١٨ خصمين مسيحيين شرسين هما «القوات» والتيار، المقعد الأرثوذكسي لا يقل حماوة مع انه يصعب تحديد موقع النائب سيزار المعلوف، سنيا وشيعيا تبدو الأمور أكثر وضوحا مع  حسم مقاعد من حصة «المستقبل» وحزب الله مع تبدل في  الأسماء فقط، ووفق الأجواء الانتخابية فان المعركة الكبرى تدور حول المقعدين الماروني والأرثوذكسي والمقعد الأرمني.

لا يمكن استشراف التحالفات بعد، لكن يمكن التوقف عند عدد من الملاحظات، منها توجه شخصيات خاضت الانتخابات على لوائح الأحزاب الى خيارات جديدة قد تكون مربحة او مربكة لها.

تعقيدات تواجه شخصيات زحلية في صوغ تحالفاتها ، فميريام سكاف امام اختبار عدم تكرار خطأ الانتخابات الماضية عندما علت سقف شروطها وخاصمت الجميع،  معركتها معقدة ما لم تنضم الى اللوائح الكبرى او تعمد الى التحالف مع «المستقبل» او تشكيل لائحة مشتركة مع احد المرشحين الكاثوليك الأقوياء. الأرقام الانتخابية تشير الى تقدم النواب الحاليين، «القوات» ليس في وارد الاستغناء عن  عقيص الذي يعتبر من الصقور السياسية والقانونيين الذين تحتاجهم  «القوات» في معاركها التشريعية والقانونية، فيما راكم الضاهر رصيدا خدماتيا كبيرا، مما يخلق أزمة لسكاف ويهدد بخسارة ثالثة ل «الكتلة الشعبية» التي لم تتمثل في المجلس النيابي من العام ٢٠٠٩.

وبهذا تؤكد مصادر زحلية ان معركة زحلة ستكون قاسية جدا وسط العوائق، وتتخذ صفة المواجهة التقليدية المعروفة مع تعديل في مواقع نواب حاليين ، سيكون النائب الحالي سيزار معلوف الذي غرّد خارج سرب «القوات» في معركة المازوت الإيراني  من أبرز  وجوه المعركة، كما سيحاول الضاهر ان يثبت حيثيته الخاصة ، فيما تسعى سكاف لاستعادة مقعد النائب الياس سكاف.

تبدو معركة زحلة ذاهبة الى خمسة لوائح مما يخفف الحاصل الانتخابي، وتتوزع كالتالي: لائحة ل «المستقبل» من دون التحالف مع «القوات» والتيار، ولائحة  للتيار الوطني الحر وحزب الله، ولائحة ل «القوات»، وأخرى للمعارضة و١٧ تشرين، ولائحة للضاهر  او لائحة  خامسة لميريام سكاف لم تتضح نواتها.

على ان العنوان الأبرز في انتخابات زحلة سيكون الصراع الإنتخابي بين «القوات» والتيار الوطني الحر، وبدأت مؤشراته تظهر في المواقف الانتخابية ورفع خطاب التحدي والمنازلة الإنتخابية بين الطرفين.

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟