اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في بلدٍ يشهد أصعب أزمة اقتصادية وانهيار مالي في تاريخه أفقد العملة الوطنية قيمتها كلّها، هنا في هذا البلد الذي أقفلت 70% من مؤسسّاته التجارية والسياحية من مطاعم وحانات ليلية، لم تقف جائحة كورونا عائقاً، ولا حتّى الأزمة الإقتصادية عائقاً أمام شعب أبى أن يستسلم لواقع مرير وأن يقف مكتوف الأيدي في عزّ الفقر القاسي الذي ضرب عائلات لبنان التي باتت بمعظمها تابعة لطبقة الفقراء، لم يبك اللّبنانيون على الأطلال ولم يلتزموا بيوتهم خاصّة في عطلة نهاية الأسبوع...!

بنزهة بسيطة، تجوب ليلة السبت طرقات المناطق السياحية، بدءاً من البترون، مروراً بجبيل وصولاُ الى جونية وبيروت لتُفاجأ بأعداد الساهرين، فالمطاعم والمقاهي محجوزة بالكامل، كذلك أماكن السهر، في الوقت الذي ارتفعت فيه كافّة الأسعار بنسبة تفوق 150%... كيف إذاً؟

البداية من قاعدة بسيطة اشتهر من خلالها اللّبنانيّ بأنّه يحبّ الحياة والكيف، وفي جولة على بعض الحانات اللّيلية، استطاع فريق «الدّيار» تكوين فكرة نموذجيــة عن الفروقات بالأسعار، فالبدابة من أحد مــطاعم البــترون التي وصلت فيها فاتورة شخصين تناولا طبقين مع مقبلّات وشربا مشروبات غازية الى نحو 580.000 ليرة لبنانية ما يعادل 90% من الحدّ الأدنى للأجور تقريباً، في الوقت الذي كانت تكلفة الطاولة نفسها لا تتخطّى 200.000 ليرة كحدّ أقصى...!

وأكّد مدير هذا المطعم الذي له أكثر من فرع في لبنان، «أنّ الإقبال في البترون كثيف كباقي الفروع، خاصّة وأنّ الزيادة على الأصناف لا تزال أرخص من المطاعم الأخرى في المناطق المتعددة»، وشدّد على «أنّ نسبة الأرباح لا تزال نفسها، بل وأقلّ بما أنّ الكلفة ارتفعت وخاصّة كلفة المولّد الكهربائي بين صيانة وتأمين المحروقات له». أضاف: «الشعب اللبناني مشهور بكرمه وحبّه للحياة، لذلك لا نستغرب الإقبال الكثيف خاصّة بعد فترة إقفال وحجر دامت بحدود السنة خسرنا فيها الكثير».

إحدى الحانات في جبيل، كانت لائحة الأسعار صادمة، عبوة البيرة 40.000 ليرة لبنانية وأسعار عبوات ال»ويسكي» تبدأ من 900.000 ليرة لبنانية وتتابع ارتفاعها بحسب النوعية والشركة المصنّعة... والمكان مكتظّ بالروّاد الذين يأبون أن يعودوا أدراجهم الى منازلهم قبل نهاية السهرة، أيّ مع شروق الشمس.

إذاً، على الفرد أن يتكلّف أكثر من 1.200.000 ليرة لبنانية ليلة السبت من أجل الترفيه، فيما الحدّ الأقصى لراتب موظّف درجة رابعة لا يتجاوز 1.250.000 ليرة... والإقبال كثيف.

أحد أعضاء نقابة المطاعم في لبنان اكد لـ «الدار» أنّ هذه المظاهر «تغشّ» لان عدداً من المطاعم وليس أكثريتها يشهد إقبالاً فقط في نهاية الأسبوع، في حين أنّ القطاع يُعاني من قلّة الزبائن والحركة الخجولة خلال أيام الأسبوع العادية، كما أنّ فاتورة اللّبناني تراجعت كثيراً بسبب تدنّي قدرته الشرائية لتقتصر غالباً على طلب النرجيلة مع كأس عصير بعدما كان يطلب أطباقاً ومشروبات عديدة».

بالرغم من أنّ زيارة المطاعم والمقاهي باتت أسبوعية بسبب الأوضاع الاقتصادية بعدما كانت بشكل شبه يومي منذ سنتين، إلا أنّ فدى التي تعمل موظّفة في إحدى الجامعات تصرّ على الخروج مع أصحابها ولو مرّة في الشهر، «لأنّ الأوضاع المعيشية والاقتصادية الضاغطة في لبنان تجعلنا نُفتّش عن متنفّس ولو بزيارة مطعم»، كما تقول، وتضيف: «لم تقتصر تداعيات الأزمة علينا فقط، بل طالت نمط حياة أطفالي الإثنين أيضاً. فكنت أصطحبهم نهاية الأسبوع إلى المطاعم والمجمّعات التجارية وكنت أشتري لهم كل ما يطلبانه، لكن اليوم الوضع تغيّر، لأنني لم أعد قادرة على تأمين ذلك».

في خطّ موازٍ، تحدّث المعنيون عن تفسيرين آخرين لسلوكيات اللّبناني، الأوّل مرتبط بالعملة الخضراء، حيث أنّ قسماً من اللّبنانيين يتقاضى راتباً بالدولار ما يسمح له بالاستفادة من تدنّي الأسعار، والثاني له علاقة بتداعيات جائحة كورونا والحجر المنزلي الذي فُرض على اللبنانيين لأكثر من سنة. كما أنّ الأزمات المتلاحقة التي أصابت الّلبنانيين، بدءاً بـ «ثورة تشرين» عام 2019 وما نتج عنها من إغلاق طرقات وأعمال شغب، مروراً بالأزمة الإقتصادية والمالية وانهيار الّليرة مقابل الدولار، مع ما خلّفه ذلك من تراجع في القدرة الشرائية وإرتفاع جنوني بأسعار المواد الاستهلاكية، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت الذي كان لها آثار نفسية كبيرة على اللبنانيين، وجعلتهم يعيشون في ضغوط يومية، غير أن هذه الضغوطات النفسية لن تولّد انفجاراً اجتماعياً بحسب آراء المختصّين، لأن هاجس اللبنانيين بات الحفاظ على أمنهم الغذائي والصحي، في حين أن الشعوب التي تُحدث تغييراً تكون في أعلى سلّم حاجاتها اليومية».

رغم المآسي التي اعتاد أن يعيشها اللّبنانيون، يبقى حبّ الحياة التمتّع بها من أبرز صفات اللّبنانيين الذين يرفضون الموت وهم واقفون..! 

الأكثر قراءة

هل أخذت الحكومة الضوء الأخضر من صندوق النقد لإقرار خطّة التعافي؟ خطّة «عفى الله عما مضى» كارثة إقتصاديّة واجتماعيّة...وهذه هي الأسباب خمسة قوانين كلّ منها «كرة نار» رمتها الحكومة في ملعب المجلس النيابي