الآن، وبعد مائة عام، يسأل أوليفييه روا ما اذا كنا صنعنا «دولة لبنان الكبير» أم «دولة الغباء الكبير»؟!

بصدفة رائعة، عثرت على ترجمتي لمقتطفات من تقديم هنري كيسنجر لكتابه «الديبلوماسية»(1994) ، وقد نقل الى العربية بصورة مروّعة (مروّعة بنيوياً ان باللغة أو بالمعنى). آنذاك تحدث الرجل عن «الفوضى اللاهوتية»، وعن «أنصاف الآلهة»، و»أنصاف الأنبياء»، في الشرق الأوسط للدلالة على الصراعات الأبدية على أرضه...

المقتطفات أعادتني الى آراء للمراسل الأنكليزي البارز روبرت فيسك خلال سهرة، عام 2007، شارك فيها مراسلون أوروبيون بينهم مراسلة سويسرية يهودية، حول الأوضاع اللبنانية، ومدى تحكم المنطق الطائفي باللعبة السياسية.

اذ وصف فيسك لبنان بـ»فردوس الشرق الأوسط»، كما رأى في اللبنانيين «الظاهرة الاستثنائية»، فاجأني بالكلام عن «الغباء الفرنسي» في انشاء «دولة لبنان الكبير»، حين ظن جورج كليمنصو، وبعده ألكسندر ميلران، أن بالامكان اقامة دولة مارونية تحاكي «الدولة اليهودية» التي وعد بها آرثر بلفور كتتمة جدلية لـ»الوعد الالهي»!

الغباء كان في اغفال التفاعلات الايديولوجية، والتاريخية، العاصفة في المحيط. واذ كان لليهود في الغرب، بتأثيرهم المالي، والثقافي، كحملة للعهد القديم، ثقلهم السياسي الذي جرى استثماره، على نحو «هائل»، بواقعة الهولوكوست، ما أدى الى قيام تلك الدولة، باعتراف فوري من هاري ترومان، ورؤساء آخرين، يبدو وضع الموارنة مختلفاً، كلياً، وان وصفهم الملك لويس التاسع (القديس) بـ»فرنسيي الشرق».

الموارنة الذين تأثروا بقديسيهم، في مفهوم الصومعة (والأديرة النائية والحصينة)، لم يدعو، يوماً، الى الغيتو الماروني. وخلافاً لليهود الاشكناز، وهم يهود النخبة، الذين حافظوا على اللغة الييديشية، وما زالوا يتكلمون بها  ويكتبون بها، تخلى الموارنة عن السريانية «بكل بهائها». لم تبق سوى بشرّي، وثلاث قرى متاخمة، تتكلم بها حتى القرن التاسع عشر.

الانتقال كان جماعياً الى اللغة العربية ليكونوا حماتها ابان الحقبة العثمانية، وليبدعوا في آدابها.

هذا لا ينفي توارث ما يمكن أن يدعى، وبحسب فيسك «الاشكالية الوجودية» لدى الموارنة كنتيجة للمعاناة، ما أدى الى بلورة فكرة الدولة المارونية التي حمل لواءها البطريرك الياس الحويك، مستفيداً من مناخات سايكس ـ بيكو وتصنيع دول جديدة بعد تفكك السلطنة العثمانية.

المشكلة كانت في المدى الاقتصادي للدولة، ما استدعى الحاق طوائف أخرى من سكان السواحل والسهول، على أن تكون هذه «الجاليات» للمرافئ والمحاصيل.

فيسك أشار الى «الظاهرة الفرويدية» في التراث السياسي الماروني. اذ كانت الجماعة تشكل الأكثرية في حمص وحماه ومعرة النعمان وغيرها، تكنّ الكراهية للبلد ـ الأم، حتى أن رئيساً للجمهورية مثل اميل ادة كان يعتبر أن باريس أقرب اليه من دمشق.

كان لافتاً أن المراسلة اليهودية التي قالت أكثر من مرة انها ترفض ثقافة الغيتو، سألت ما اذا كان باستطاعة الدولة اللبنانية، حتى بوثيقة الطائف، لا باعلان غورو، البقاء ان بسبب التغيرات الديموغرافية، أو بسبب الرياح  الهوجاء في أرجاء المنطقة.

اللافت أكثر توقعها أن المسلمين الذين توارثوا قروناً من الانحطاط، بكل أبعاده الثقافية، والدينية، والذين انتقلت السلطة اليهم في الجمهورية الثانية، يمكن أن يعودوا بلبنان، ومن خلال الثقافة القبلية والطائفية، الى القرون الوسطى، ما يعني السقوط التراجيدي للنموذج، ليعقّب فيسك أن عدوى القبلية انتقلت الى الساسة الموارنة.

هذا الكلام جاء في ذروة التداعيات السياسية والطائفية  التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

منذ ذلك الحين، والأوروبيون يرون في الطبقة السياسية الأوليغارشيا العرجاء أو العمياء التي تقود لبنان الى الهاوية. من وسط الهاوية نتساءل ماذا ينتظرنا أكثر. لا شيء في الأفق سوى الخواء. الغباء الفرنسي أم الغباء اللبناني؟ ذات يوم تحدثنا عن عبقرية الغباء.

ماضون في... عبقرية الغباء!!

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟