«تمنينا على الايرانيين أن يكونوا أكثر وعياً بالواقع الأميركي الراهن، أثناء مفاوضات فيينا، كي لا يُعيدوا دونالد ترامب، على أكتافهم، الى البيت الأبيض»!

هذا ما ينقله معلقون فرنسيون عن الكي دورسيه (مقر وزارة الخارجية). لكن الفرنسيين اياهم اعتبروا، ابان محادثاتهم  مع الجزائريين في ايفيان (1962)، كما ابان محادثات باريس بين الأميركيين والفيتناميين (1973 )، أن الضجيج الميداني الذي يصاحب العملية الديبلوماسية حول انهاء أي صراع مسألة روتينية، وتندرج في الاطار الكلاسيكي للتفاوض.

في الحالة الراهنة، ترى باريس أن المفاوضات الأميركية ـ الايرانية ذات طبيعة خاصة. اذ تجري على حافة الهاوية، لا فارق جوهرياً هنا بين المفاوضات فوق الحطام العسكري، وتلك التي فوق الحطام الديبلوماسي، مع اعتبار أنها تتصل، في جوانب منها، بصياغة الخارطة المستقبلية  للمعادلات، وللعلاقات، الجيوسياسية، في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، يقال ان من مصلحة الايرانيين، بالدرجة الأولى، العودة الى اتفاق فيينا (2015 ) ان لدواع داخلية (وقف التدهور الدرامي في الاقتصاد)، أو لدواع خارجية (قابلية النفوذ الاقليمي للبقاء في ظل التوترات الاقتصادية العاصفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن).

من كانوا على مقربة من الجولات التفاوضية السابقة لاحظوا أن الايرانيين داخل القاعة هم غيرهم خارجها. تماماً بهدوء، ودماثة، حائكي السجاد، لا بالنبرة الصاخبة لأئمة المساجد ...

في كل الأحوال، على القيادة الايرانية أن تدرك أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2024 هي، والى حد كبير، بين يدي آية الله خامنئي الذي على مستشاريه السياسيين والديبلوماسيين أن يتنبهوا ليس فقط لكل خـطوة يقومون بها، وانما أيضاً لكل كلمة يتفوهون بها.

بالرغم من الأدمغة التي تحيط به، لم يتمكن جو بايدن من اختراق أي من المشــكلات الأساسية في بلاده. الحدث الأفغاني زاد في تعرية الرجل. قناة «فوكس نيوز» رأت أنه لا يزال، حتى الساعة، في فراش دونالد ترامب.

لا بد من حدث مدو، حدث تاريخي، يعيد تشكيل صورته أمام الرأي العام الذي يعاني، وللمرة الأولى منذ عهد ابراهام لنكولن، من تصدع بنيوي حاد، حتى أن كبار الباحثين بدأوا بطرح الأسئلة حول الاحتمالات التي تنتظر الأمبراطورية.

في هذه الحال، يفترض بالايرانيين أن يعتبروا، لا سيما في جلسات التفاوض، أن تعويم جو بايدن أولوية بالنسبة اليهم ان ارادوا منع الضباع من العودة الى السلطة، ودون أن يكونوا محملين بظلال، وبأثقال، الداخل، أو أن يؤخذوا بالوهج الاعلامي أمام الكاميرات في فيينا...

اللافت أن هناك بعض كبار المعلقين يتساءلون، وعقب أحاديث لدونالد ترامب، ما اذا كان قد حدث تبدل في نظرة الرجل الى الشرق الأوسط. التقارير الخاصة بتحليل نتائج الانتخابات الرئاسية أظهرت أن 25 بالمئة فقط من الناخبين اليهود اقترعوا له. الرئيس السابق أصيب بالصدمة، وهو الذي قدم «لاسرائيل» ما لم يقدمه أي رئيس آخر، بمن في ذلك هاري ترومان.

ألم تكن ابنته ايفانكا التي اعتنقت اليهودية، ديانة زوجها جاريد كوشنر، تتجول بالكعب العالي في رأس أبيها الذي اعترف بأنه ضرب احدى القواعد السورية بصواريخ توما هوك بسبب دموعها. هو الذي قال «لو لم تكن ابنتي لكانت... عشيقتي». تصوروا! أليس الرجل الآتي من ليل الغانيات في لاس فيغاس؟

لا بد من الاشارة الى أن يهود أميركا عانوا، في وقت من الأوقات، من اعتداءات العنصريين البيض الذين لم يكونوا يفرّقون بينهم وبين الزنوج. هؤلاء يخشون العودة الى تلك التجربة مع تأجيج ترامب للعنصرية البيضاء.

الرئيس السابق رأى أن «الفريق التقدمي» في الحزب الديموقراطي يتقدم على «الفريق اليهودي «فيه. ربما لتعبئة الناخبين اليهود ضد مرشحي الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية للكونغرس، حتى ما اذا كانت الغلبة للجمهوريين تحوّل بايدن الى جثة داخل البيت الأبيض.

هذا، بأي حال، ليس من مصلحة الايرانيين الذين يعلمون أن الديبلوماسية فن الممكن لا فن المستحيل...

الأكثر قراءة

تشكيك بقدرة لبنان التزام الشروط السعودية و«ازدواجية» فرنسيّة حيال حزب الله! «التهميش» الفرنسي للرئاسة يُزعج عون: قرار سعودي بتحييده حتى نهاية العهد ميقاتي يتهم «الشركاء» بالخيانة: سقوط «الكابيتال كونترول» رضوخ «للشعبوية»؟