لا تزال المخارج والحلول للتسويات السياسية الداخلية تراوح مكانها في غياب «التسييل» العملي للافكار المطروحة على «الطاولة»ُ والتي تحتاج الى اكثر من اختبار «للنوايا الطيبة» في الاجتماع الثلاثي في بعبدا، فالمسألة تتجاوز الخصومة العميقة بين الرئاستين الاولى والثانية وغياب الكيمياء بين الرئيسين عون وبري، او «تشاطر» رئيس الحكومة نجيب ميقاتي «المزهو» بلقب «مدوّر الزوايا» في زمن تحتاج فيه البلاد الى قرارات حاسمة تنقذ ما يمكن انقاذه.

فالازمة تتجاوز حدود ورغبات الاطراف الداخلية في مرحلة اقليمية ودولية حرجة للغاية عنوانها الرئيسي اعادة احياء الاتفاق النووي مع ايران، وما يستتبعه النجاح اوالفشل من تداعيات لن يكون لبنان بمناى عنها، وفيما الانظار تتجه الى «رد الفعل الاسرائيلي» المفترض على عودة «المياه الى مجاريها» في فيينا، تبقى علامات الاستفهام الكبيرة حيال حقيقة الموقف الاميركي في التعامل مع الملف اللبناني، حيث بات واضحا للعيان احتفاظ واشنطن «بورقة» ضغط استجرار الغاز والكهرباء من مصر والاردن عبر سوريا لدفع لبنان للتنازل في ملف الترسيم البحري؟ 

وفي هذا الاطار، تشير اوساط سياسية بارزة الى ان «التعطيل» المتعمّد للملفات يثير القلق، فالتمييع المقصود من قبل الولايات المتحدة الاميركية لمنح استثناء رسمي وموثق للقاهرة، بشأن تزويد لبنان بالغاز والسماح بنقله عبر سوريا، دون التعرّض لعقوبات قانون قيصر، يثير الريبة، فهذا الملف الذي اثاره بالامس البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي مع السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا، بقي ملتبسا ودون اجوبة حاسمة، فهي على الرغم من التأكيد على رغبة بلادها في المساعدة «الكهربائية»، الا ان لا شيءَ رسمياً بعد من الجانب الأميركي، فالجانب المصري لم يحصل حتى الآن على ضمانات تؤكد استثناء هذه العقود من عقوبات «قانون قيصر»، ولا تزال واشنطن تتحجج بعدم حصولها من الحكومة المصرية على معلومات كافية تؤكد عدم حصول سوريا على أكثر من الحصة المحدّدة لها قانونا، وعدم تقاضيها مبالغ بالدولار الأميركي، مع العلم ان القاهرة سبق واكدت انها قدمت الاجوبة المطلوبة.

ولذلك فان هذين الشرطين يثيران علامات استفهام، ويمكن وضعهما في اطار «ابتزاز» واضح للجانب اللبناني لتقديم تنازلات حاسمة في ملف الترسيم البحري مع «اسرائيل»، خصوصا ان كل المعطيات تشير الى زيارة قريبة «للوسيط» الاميركي الى بيروت حاملا «المطالب الاسرائيلية»، حيث تريد «تل ابيب» الحصول على اجوبة قبل آذار المقبل، موعد البدء عن التنقيب في حقل كاريش، وهذا ما يفسر المماطلة الاميركية المتواصلة في ملف الكهرباء، واذا لم تتبلور عملية الاستجرار خلال الايام المقبلة، سنكون حتما امام تكريس واضح لمعادلة «التنازلات» في الترسيم مقابل الكهرباء؟ 

في هذا الوقت، تواصل «اسرائيل» «المشاغبة» على الاتفاق النووي الايراني، وقد حذرت اوساط ديبلوماسية لبنان من «النوايا الاسرائيلية»، بعدما رفعت واشنطن «بطاقة حمراء» في وجه «اسرائيل» لمنعها من مهاجمة ايران، فتوسيع العمليات العسكرية من سوريا الى لبنان يبقى خيارا قائما في ظل اعتزام رئيس الحكومة نفتالي تطوير قدرات «الجيش الإسرائيلي» الهجومية، وقد اتفق مع وزير الخارجية يئير لبيد، ووزير الدفاع بني غانتس، ووزير المالية افيغدور ليبرمان، على زيادة ميزانية الدفاع بـ 57.8 مليار شيكل في السنة القادمة، والاخطر انه قد اعيد احياء استراتيجية ليبرمان التي تبناها ابان توليه وزارة الحرب ، والتي تقوم على إنشاء سلاح صواريخ يرتكز على صواريخ أرض – أرض توفر رداً متكافئا على الترسانة الواسعة للصواريخ الدقيقة التي يمتلكها حزب الله، يتزامن ذلك مع تحريض وصل الى ذروته في الآونة الاخيرة ضد ما تسميه «اسرائيل» ترسانة حزب الله من الطائرات بدون طيار، وقالت انه ينشر المئات منها في لبنان والاراضي السورية، وهذا قد يكون مقدمة لعمل عسكري او امني؟! 

هذه المخاطر الخارجية تتزامن مع «مراوحة» داخلية قاتلة تشرّع لبنان امام «العواصف» الخارجية، ووفقا لاوساط سياسية بارزة، يعوّل ميقاتي على زيارة مرتقبة لم تحدد مواعيدها بعد الى القاهرة، ستلي زيارته الى الفاتيكان لمحاولة احداث خرق في «جدار» الازمة مع السعودية وبعض دول الخليج، لكنه فشل في اقناع الاطراف السياسية المشاركة في الحكومة بتقديم «رأس» وزير الاعلام جورج قرداحي «كورقة» يحملها معه الى الجانب المصري كبادرة «حسن نية» من قبل لبنان، ووفقا للمعلومات، حاول ميقاتي جاهدا لاقناع رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية وحزب الله بهذه الخطوة، فجاءه رد واضح من فرنجية بانه لن يضغط على قرداحي بشيء وهو يقدّر المصلحة، فيما رفض الحزب الخطوة، خصوصا انها تأتي في سياق «اعتذاري» ودون اي ضمانات بانها جزء من رزمة متكاملة لحل الازمة المفتعلة سعوديا، لذلك جرى تأجيل البحث في هذه الخطة حتى عودته من زيارته الخارجية، وكذلك عودة رئيس الجمهورية ميشال عون من قطر، وعندها «سيبنى على الشيء مقتضاه» ، مع العلم ان الاجواء لا تزال سلبية ، ولا مؤشرات على رغبة سعودية «بالتسوية»؟ 

في هذا الوقت، ينتظر «الثنائي الشيعي» تسييل التفاهم المبدئي مع رئيسي الجمهورية والحكومة حيال ملف المحقق العدلي في جريمة المرفأ القاضي طارق البيطار، وفق استراتيجية «تحييده» لا تطييره»، وعلم في هذا السياق ، ان الحل الذي لم يبصر النور بعد،بسبب وجود تبايانات واضحة في العدلية ازاء «التخريجة» التي تقوم على مبادرة النيابة العامة التميزية الى ارسال كتاب الى مجلس النواب تطلب فيه تفعيل المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء للتحقيق مع المطلوبين امام  المحقق العدلي، وهذا يفتح الباب امام عدم «كف يد» البيطارعن الملف، في مقابل اخراج النواب والوزراء وورئيس الحكومة السابق حسان دياب من دائرة اختصاصه، وهذا الامر يساهم في اعادة احياء جلسات مجلس الوزراء، لكن التأخير في «تسييل» التفاهم يطرح علامات استفهام حول جديته او الاسباب الحقيقية وراء تأخير ترجمته على ارض الواقع.؟! 

وازاء هذه المعطيات، تحذر اوساط ديبلوماسية من بقاء «الشلل» على حاله على الساحة اللبنانية، ودعت الى التحرك نحو ايجاد ارضية مقبولة لاجراء الانتخابات النيابية في اجواء سليمة، وعدم مراكمة الازمات المرشحة للانفجار سواء داخليا او خارجيا، لان «الفراغ» الحاصل مرشح لان تملأه احداث كبرى لن يكون لبنان بمنأى عنها، خصوصا ان كل المؤشرات تدل على ان ثمة من يريد ابقاء التوتر الداخلي على حاله لمواكبة الاحداث الخارجية! 

الأكثر قراءة

للرؤوس الساخنة في ايران