اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

هناك فرق كبير وتباينات كثيرة بين مصطلحي رجال الدولة ورجال السياسة بالمفهوم العام اذ ان رجل الدولة هو سياسي بامتياز لكن العكس ليس بالضرورة صحيح. الرجل السياسي يسعى لان يكون رجل دولة، وفي اغلب الاحيان يطمح لان تكون هذه الدولة دولة على قياس مذهبه او حزبه او معتقده.

الاهداف مختلفة والوسائل متناقضة والغايات متمايزة ولكل شخص رسالته واداؤه والسبب هو شخصية هذا الرجل ورؤيته للامور ومقاربته لها فواحد يرى ان الدولة ملكاً له والآخر يرى نفسه انه ملك للدولة. اذاً، اذا كان الرجل السياسي يتعامل مع نفسه على انه رجل دولة ربما لانه لا يعرف مدى الاختلاف بين الموقعين ولا يدري ان لكل موقع اسلوبه الخاص ان كان في العمل السياسي او الاجتماعي. فرجل الدولة له رؤيته للعمل والتي تقوم على تحفيز كل من يعمل معه وكل من يؤمن بخطه السياسي فهو يحثهم على الانتماء للوطن ويجعل منهم شركاء في بنائه.

مما لا شك فيه ان رجل الدولة يعمل من اجل خدمة وطنه وشعبه فيسلك افضل البرامج للرقي ببلده ورفاهيته دون التفكير في المصلحة الشخصية والجاه والسلطة، هناك العديد من الامثلة في عصرنا هذا وفي التاريخ كـ تشي جيفارا ونابليون بونابرت ونيلسون مانديلا والمهاتما غاندي وابراهام لينكون ومهاتير محمد والشيخ زايد اما في لبنان فتحتضن الذاكرة اسماء شخصيات انطبعت في وجدان اللبنانيين وفي ذاكرة التاريخ الحديث ككميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل مالك والبطريرك الياس الحويك والمفتي حسن خالد والامام موسى الصدر...

اما رجل السياسة بالمفهوم الضيُق للمعنى فهو ينظر الى الدولة كملكه الخاص فيستغل منصبه ليجيّر مدخراتها لمصلحة مذهبه وحزبه وعشيرته وازلامه وحرّاسه ولمكاسبه الشخصية بعيدا عن المصلحة العامة للمجتمع والوطن. وهنا لا مجال للتسمية فان بدأت لن انتهي!!

ببساطة رجل السياسة هو الشخص الذي ركب موجة حزبه واكتسب رضى ازلامه بعد انخراطه في العمل السياسي وتمكن من ارضاء رغبات فريقه وسد حاجياتهم المناطقية وتسيير امورهم في دوائر الدولة ووزاراتها.

في المقابل ان رجل الدولة هو الذي يملك رؤية واضحة لمستقبل وطنه، هو يؤمن بالعلم وبرجال العلم ويبني قراراته على الابحاث العلمية وليس على الاهواء والرغبات. هو رجل يسعى دائما الى تحقيق النجاح لمجتمعه عامة، فالنجاح في نظره هو نهوض الامة، فهذا النوع من الرجال عندما يصل الى السلطة يبدأ العمل من اجل تأمين مستقبل افضل لبلده وشعبه فهو لا يفكر في الحصول على الاكثرية بمنهجية العمل الحزبي المحلي انما يعنيه الحرص على سمعته ونزاهته واخلاقه، فتراه في اغلب الاحيان يتكلم بصيغة الجمع لانه يؤمن بالعمل الفريقي.

على المستوى اللبناني ترى ان معظم المشاكل هي من صنع هؤلاء السياسيين اللاهفين وراء المناصب وتوريث المناصب والمكاسب. هؤلاء الوقحين الذين لا يخجلون من اعلان رغبتهم في الحصول على حصة كبيرة من قالب الحلوى ولا يخفون طمعهم في منصب من هنا ومكسب من هناك.

الدولة اللبنانية بحاجة ماسة اكثر من اي وقت مضى الى رجالات دولة، رجالات تحترف العمل السياسي للخير العام، رجالات لديها الكفاءة والخبرة الى جانب النزاهة.

نحن بحاجة الى سياسيين رجال دولة يؤمنون بانهم في سدة المسؤولية لقضاء مهمة معينة في خدمة البلد، جاؤوا ليضعوا خبراتهم وعلمهم وابتكاراتهم وحسن اداراتهم في سبيل تطوير هذا البلد.

اين نحن من هذا النسق؟

هل نحن نعيش في زمن انتهى فيه عصر رجال الدولة الحقيقيين؟

هل تنطبق علينا مقولة: «كما تكونوا يولّى عليكم»؟

هل سنبقى رهائن اهواء رجال سياسة مراهقين؟

بالطبع لا، والف لا!لأن المؤمن لا يُلدغ من جحر واحد مرتين، الشعب باغلبيته الساحقة يعرف ان مشكلتنا في لبنان تكمن في الذين حكموا ولم يبنوا دولة للاجيال القادمة، بل ورثوا المناصب ابا عن جد وهم بدورهم يعملون لتوريث من هم بعدهم وهدفهم هو الحفاظ على حصة المذهب والحزب والعائلة فقط.

لذلك لا بد للشعب ان ينتفض ويقلب الطاولة ويغيّر المعادلة فالحكم لرجال الدولة فقط وان السياسي التقليدي انتهت مدة صلاحيته واصبح خارج الخدمة.

في الختام اقول في الوقت الذي يكثر فيه رجال الدولة نستطيع تفادي اكثر الازمات التي تعصف بنا. ولن يستقيم للبنان مستقبل ولاجياله الجديدة رجاء، الا يوم يحكمه رجال دولة لا رجال سياسة! بل سيّدات دولة ولما لا؟!

الأكثر قراءة

الحريري «اخرج» وتياره من الحياة السياسية وبدأ «خلط الاوراق» : «اللعبة اكبر مني»! اصرار سعودي على «ابعاده» وبرودة اميركية ــ فرنسية والفراغ يقلق الحلفاء والخصوم ورقة الاملاءات الخليجية ــ الدولية «ولدت ميتة» وميقاتي يسعى لإحيائها بتدوير «الزوايا»؟