اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بعد زيارته الأولى الى كلّ من لبنان (في 20 تشرين الأول الفائت) والعدو الإسرائيلي (في 7 تشرين الثاني المنصرم) إثر تولّيه منصبه كالوسيط الأميركي الجديد في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية، والتي اطلع خلالها على مواقف الطرفين، وأكّد استعداد إدارة الرئيس جو بايدن لمساعدة لبنان و «إسرائيل» على إيجاد حلّ مقبول للطرفين للحدود البحرية المشتركة لصالح كلا الشعبين... يعود آموس هوكشتاين للمرة الثانية الى لبنان خلال أيّام، بعد زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس للبنان في كانون الأول الفائت التي أعلن خلالها أنّ «الأمم المتحدة ستبذل قصارى جهدها للتوصّل الى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية».

فماذا سيحمل هوكشتاين بجعبته من جديد في زيارته الثانية المرتقبة الى بيروت، لا سيما بعد إطلاعه من المسؤولين اللبنانيين على تمسّكهم بالخط 29 كحدود لبنان البحرية، وليس الخط 23 والذي يدخل ضمنه أكثر من نصف «حقل كاريش» الذي استأنف العدو الإسرائيلي العمل به؟ وماذا عن الضغوطات الأميركية و «الإسرائيلية» التي تُمارس على لبنان، والتي «منعته» سابقاً من تعديل المرسوم 6433 بهدف ربط النزاع مع «الإسرائيلي»، وتستمرّ هذه الأخيرة وصولاً الى خسارة لبنان جزء من حقوقه في منطقة النزاع التي تعتبر الخط 29 حدود لبنان البحرية الفعلية؟ وماذا ستكون عليه ردود الفعل اللبنانية الرسمية في حال اقترح هوكشتاين الإتفاق بالتراضي؟!

تقول أوساط ديبلوماسية متابعة لموضوع الترسيم بين لبنان والعدو الإسرائيلي إنّه من الواضح أنّ لبنان يتعرّض لضغوطات كبيرة جدّاً نظراً للأزمة الإقتصادية الحالية والخلافات السياسية.

غير أنّ حقوق لبنان البحرية يُمكنها أن تكون فرصة لتتوحّد القوى حولها، سيما وأنّ حقوق لا تشوبها شائبة قانونياً وخرائطيّاً، بما فيها خريطة «الخط الأحمر الإسرائيلية» التي قامت الولايات المتحدة بتسليمها إلى سوريا في العام 1976. هذه الخريطة التي تُعتبر مؤشّراً على ما كان يعتبره «الإسرائيلي» حدود نفوذه البحري داخل المياه الإقليمية اللبنانية، والتي تصل امتداداً في البحر الى النقطة «29»، وعليه يمكن اعتبار هذه النقطة بالتالي حدود المنطقة البحرية اللبنانية الخالصة، من دون أي حاجة للتفاوض على هذا الأمر. فالخرائط موجودة، ولبنان والعدو الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية على عِلم بها، إلّا إذا كان الطرفان الأميركي و»الإسرائيلي» يريدان غضّ النظر عنها، واعتبار لبنان هو الطرف الذي يبدّل موقفه باستمرار، وليس العدو الإسرائيلي على ما يحصل فعلاً.

ولهذا، فما سيحمله هوكشتاين من «مقترحات إسرائيلية» جديدة لا تصبّ في مصلحة لبنان، يُمكن للمسؤولين، بحسب رأي الاوساط ، أن يواجهونها فقط بالإتفاق فيما بينهم، على غرار ما حصل خلال زيارة الوسيط الأميركي الأولى، ويتحدّثون بلغة واحدة، فيسألونه: لماذا تقوم «إسرائيل» بتغيير خرائطها والحدود المرسومة فيها دائماً؟ ولماذا تُباشر بالتنقيب في «حقل كاريش» أو سواه في منطقة متنازع عليها وذلك قبل الإتفاق على الحدود البحرية مع لبنان؟ ولماذا لا تنتظر بالتالي نتائج الوساطات الأميركية والأمم المتحدة؟

وأكّدت الأوساط نفسها أنّ الولايات المتحدة تريد، عن طريق وسيطها هوكشتاين، أن تفرض على لبنان المزاوجة بين ترسيم الحدود البحرية واستغلال حقول النفط عن طريق إتفاق بالتراضي، وهذا الأمر يضع لبنان في موقف شديد التعقيد. فماذا يأتي أولاً الحدود البحرية أو استغلال الآبار المكتشفة؟ فكلّ من هذين الخيارين أحلاهما مرّ نظراً للضغوطات الهائلة التي يتعرّض لها لبنان.

وعن إمكانية وجود صفقة ما أدّت الى عدم تعديل الحكومات السابقة، بما فيها حكومة حسّان دياب، وحكومة نجيب ميقاتي الحالية، للمرسوم 6433 الذي أقرّ في عهد حكومة ميقاتي السابقة، لعدم ربط النزاع مع العدو الإسرائيلي في الأمم المتحدة، ما يُمكن اعتباره «خيانة عظمى» من قبل المسؤولين اللبنانيين لتفريطهم بحقوق لبنان النفطية والبحرية، أجابت الاوساط بأنّ «الخيانة العظمى» قد تكون كلمة ثقيلة في ميزان تقييم أداء الحكومات المتعاقبة، ولكنّ التقصير والإهمال والخفّة في مقاربة مسألة المفاوضات البحرية لا يُمكن نفيها بهذه السهولة. كما أنّ رغبة مختلف المكوّنات اللبنانية بإجراء المفاوضات مستقلّة من تحت الطاولة، وفي غفلة عن المكوّنات الأخرى، بسبب أنّ عينها على الواردات النفطية المأمولة، فهي ظاهرة مرضية ممجوجة ومستهجنة وتضرّ بالموقف اللبناني في المفاوضات، كما أنّها تسمح للأميركيين، ومن خلفهم للإسرائيليين باللعب على تناقضات الأطراف اللبنانية وتأخير التوصّل الى اتفاق يصبّ لمصلحة لبنان.

وتتوقّع الاوساط أن يقوم هوكشتاين بجولات مكّوكية بين الجانبين، على غرار الزيارة الأولى وليس العودة سريعاً الى طاولة المفاوضات غير المباشرة في الناقورة. وإذ كان الوسيط الأميركي يُمنّي النفس بإنجاز الإتفاق قبل آذار المقبل، وتحديداً قبل موعد الإنتخابات النيابية المقبلة كون واشنطن تستعجل إقفال الملف، ولأنّ هوكشتاين سبق وأن أعلن عن انسحابه من لعب دور الوسيط إذا لم يتمّ التوصّل الى اتفاق في غضون أشهر، أوضحت الأوساط عينها أنّها لا تتوقّع حصول أي إتفاق بين الطرفين في وقت قريب.، فالأميركيون و «الإسرائيليون» ينتظرون نتائج محادثات فيينا، كما نتائج الإنتخابات النيابية في لبنان في أيّار المقبل، في حال جرت في مواعيدها الدستورية في لبنان ودول الخارج، وهم يُفضّلون التعاطي مع المجلس النيابي الجديد، والعهد الجديد والحكومة التي ستنبثق عنه. ولهذا فهم ليسوا على عجلة، على ما يعتقد البعض، سيما وأنّ العدو الإسرائيلي لم يوقف أعمال التنقيب في المنطقة البحرية. وفي حال جرى تأخير الإنتخابات، فسيؤخّرون التوصّل الى اتفاق، لهذا فمن مصلحة لبنان إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها وعدم تأجيلها لكي يتمكّن بعدها من استكمال مفاوضات الترسيم البحري.

وعن استعجال «الإسرائيليين» في التوصّل الى اتفاق مع لبنان، وتذرّعهم بأنّه من مصلحته عقده سريعاً بهدف تحسين وضعه الإقتصادي المتردّي، تقول الاوساط إنّ «الإسرائيليين» يريدون فرض الأمر الواقع الجديد، أي تجاوزهم ليس فقط الخط الذي يربط بالنقطة 29، إنّما الخط الذي يربط بالنقطة 23. وهذا يُشكّل ربحاً لهم، من وجهة نظرهم، على حساب الحقوق اللبنانية.

وتؤكّد الأوساط المطّلعة أنّ «خير الدفاع... الهجوم»، ولهذا على المسؤولين اللبنانيين مطالبة هوكشتاين بخريطة «الخط الأحمر» العائدة للعام 1976، وتأخير موافقة لبنان على أي من الحلول الأميركية المعروضة لشراء الوقت. إلّا إذا كانت الحكومة اللبنانية قد وافقت ضمناً على كلّ المقترحات الأميركية ولم تعد تستطيع التراجع عن موقفها، وهذا سيكون مؤسفاً، ولن يرضى المزاج الشعبي به، كما ستكون نقطة سوداء في تاريخ المسؤولين الذين وافقوا على هذا الحلّ المجحف، والتاريخ لا يرحم. 

الأكثر قراءة

بهاء الحريري في قصر قريطم