اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يعاني مجتمعُنا، من مشكلات وقضايا كثيرة، تستوجبُ الوقوف عندها، وتسليط الضوء على تبِعاتِها وأسبابها ونتائجها، ولعلّ قضية تعنيف المرأة واحدة من أبرز تلك المشاكل وأكثرها تشعُّبًا.

فلماذا تعنيف المرأة؟ وكيف تتطوّر الأفكار الدافعة إلى هذه الظاهرة؟ وما هي البيئة الحاضنة الّتي تؤدي إلى نموّ مثل هذه المشكلات؟

يمكن القول إنّ هذه القضية بدأتْ، أوَّلاً من منطلق إيمانيّ، على اعتبار القضاء والقدر بمشيئة الله، ضمن عقيدة "الله سمح بذلك". ثانيًا نضيفُ طبيعة الرجل الذكورية المستبدّة التي تميل الى التعنيف. وثالثًا العادات والإعتقادات والقناعات البالية عند بعض القبائل والجماعات المتخلفة الغارقة في بحر الجهل والخنوع. أما رابعًا فيمكن أن نعيد هذه المشكلة الى الفقر وفقدان السيطرة المادية على استقرار العائلة ماديًا، مما يؤدي إلى تزايد العنف الأسري، ويشمل بذلك التعنيف المرأة، إما من قبل زوجها أو عائلتها، كما أنّ هناك سببًا خامسًا وهو عدم رعاية القانون لحق المرأة وحريتها واحترامها وحمايتها من التعذيب والتعنيف.

ولكن يجب تسليط الضوء على بعض النقاط المنوطة بهذا الموضوع، أولها أنّ هناك بعض حالات التعنيف تكون المرأة سببًا فيها، أي أنها تتسبّب هي نفسها بمشكلتها كمثل حالات سوء التعامل والخِصال السيئة كالعِناد، أو التصرّفات المرفوضة اجتماعيًا، كما أنّه في بعض لأحيان، تتقصّد بعض النساء القيام بعض الأفعال لتركيب وتزوير بعض الحقائق التي تتحوّل إلى مصلحتهنَّ الشخصيّة بطريقة ضمنية، من مثل ذلك، عندما تبدأ المرأة في افتعال مشكلة عن قصد، لتستدرج رجل ما، زوجها أو أحد أفراد عائلتها إلى اللّجوء للتعنيف، وذلك لأنها تسبّبت في فقدان الطرف الآخر لصوابه، فهذه الحوادث لا يمكن وضعها تحت قائمة التعنيف، لأنه كما يوجد نساء مظلومات بالتعنيف، فهناك أيضًا من يفتعلْنَ التعنيف لأنفسهنَّ لكي يتستّرنَ في ذلكَ عن قصص وجرائم تزوير وسرقة وغيرها. فبإمكاننا القول، إنّ هناك نساء ظالمات، حتى وإن كنَّ يتعرّضنَ للتعنيف. من هنا، وجوب التعاطي مع الأمور بحكمة وتريّث، كما يجب النظر إلى الأمر من أكثر من وجهة، لمعالجته بوضوح وشفافية للوصول إلى الحقيقة المطلقة غير المقيّدة بالتباس أو غموض.

في مقابل ذلك، لا بدّ من العودة الى أصل المشكلة الكامنة وراء تعنيف المرأة المظلومة. ومنها القضاء والقدر، والرضى بمشيئة الله، الذي بعلمه وسماحه تحصل هذه الأمور. ويمكن إرجاعها الى بعض الأمور الربانيّة، والحكمة المعقدة غير المقيّدة بالمنطق، فهي تفوق المنطق والمعرفة الإنسانية بأشواط لأنها تتسم بالحكمة والقداسة.

أما المشكلة الثانية فهي طبيعة الرجل الشرقي المستبدّ، بشخصيته المتشرّبة لعادات ترفده بمعنويات تافهة، تجعل منه صبيًّا مستبدًا، يمارس بعض الأفعال الخاطئة على اعتبار أنّ الرّجل يحقّ له أن يتصرّف كيفما يشاء، فقط لأنه رجل.

أما المشكلة الثالثة، فهي مرتبطة بالعادات والإعتقادات والقناعات الزائفة، ذلك أنَّ العادات والتقاليد المنتشرة في عدة مجتمعات، وهي التي تغذّي الاستبداد الفكريّ عند الرجل، وتحت رعاية القانون، لتصبح هذه العادات قناعةً جماعيةً وعرفًا سائدًا، تعدّ مخالفته هدمًا للنظام الاجتماعي عند هذه القبائل أو الجماعات، ولا بدّ أن نذكر عبر التاريخ عادة وأد البنات، أو حتّى إحراق المرأة حيّة مع جثّة زوجها الميت،عند الهنود القدامى، لأنّ حياتها تنتهي بموت زوجها.

أما الفقر، فهو من أبرز الأسباب وأكثرها ارتباطًا بالعنف الأسري بشكل عامّ، وبالعنف ضد المرأة بشكل خاصّ، لأنّ عدم الاستقرار المادي في العائلة يؤدي الى الغضب والنفور وفقدان الصواب، حيث يقوم فيها أي طرف من أطراف في العنف اللّاواعي الذي يولد اضطرابات عائلية تقوّض ركيزة الأسرة وتؤدي إلى تفكّكها.

وأخيرًا، إنّ عدم حماية القانون للمرأة، وهذا بسبب إهمال وتخلف رجال الدولة والقانون لشخص المرأة، يفقد المجتمع صورته الحضارية وطابعه الإنساني. من هنا، يجب تنمية روح المواساة بين الرجل والمرأة، وتوعية الناس، على أهميّة المشاركة بين الجنسين في شتّى أمور الحياة لنقل صورة حضاريّة ناضجة وواعية.

لذا فلنعلّم أبناءنا وشبابنا، أن المرأة هي الملاذ، هي الأم، وهي المعلم الأول، وعلى يديها يتربّى عظماء الأمّة وعظيماتها، فهي نبع الحب المتدفّق منها والعائد إليها. وليس بعاقلٍ من ينكر فضل المرأة على الأسرة والمجتمع، لأنَّ الله سبحانه، وهبَ المرأة نعمة الأمومة، ونعمة الحنان، وغرس فيها روح التضحية والعطاء. وهنا يستوقفني قول جبران: "وجه أمّي وجه أمّتي". 

بقلم: يوسف الخوري 

الأكثر قراءة

كيف توزعت الكتل النيابية؟